قد يكون من غير المعتاد أن يقرأ المرء كتاباً عن سيرة شخصية لسياسي بارز في حين أن تلك السيرة ذاتها لم تكتمل بل تتواصل فصولها يومياً أمام أعين الجميع. والواقع أن جميع الأخبار التي نسمعها عن ميت رومني، إبان حملته الحالية للترشح لانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة عن حزبه، تبدو، كما يقول الصحفيان الأميركيان بصحيفة "بوسطون جلوب" مايكل كرانش وسكوت هيلمان مؤلفا الكتاب الذي نعرضه هنا، "رومني الحقيقي"، وكأنها أخبار سمعنا بها من قبل إبان انتخابات عام 2008 عندما خاض حملته للترشح عن حزبه لرئاسة البيت الأبيض للمرة الأولى، أو ربما نكون قد سمعنا عنها عام 2002 عندما تولى رئاسة اللجنة المنظمة لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في مدينة "سالت ليك" (ولاية يوتا) عام 2002 وضَمِن استمرارها بعد أن كانت مهددة بالإلغاء جراء سلسلة من الأخطاء الإدارية، قبل أن يعود لولاية ماساشوستس في العام التالي ويصبح حاكماً لها بعد فوزه على منافسته جين سويفت حاكمة الولاية بالوكالة... بل ربما سمعنا عنه عام 1994 عندما بدأ حياته السياسية بخوض انتخابات لعضوية مجلس الشيوخ أمام السيناتور "تيد كنيدي". ومع ذلك، كما يقول المؤلفان، ثمة سؤال يتردد على أذهان الكثيرين حول مدى صدقية هذا الرجل، وهو سؤال عام تتفرع منه أسئلة كثيرة مثل: هل هو حقاً ضد الإجهاض؟ وهل هو حقاً ضد الشواذ؟ وهل هو محافظ اشتراكي كما يدعي؟ وهل هو قادر بالفعل على التواصل مع المواطن العادي الذي لا يمتلك مثله ثروة طائلة تصل إلى 250 مليون دولار؟ وهل عمله السابق في مجال الأوراق المالية الخاصة، وصفقات مؤسسته الشهيرة "باين كابيتال"، والتي كانت تحقق أرباحاً طائلة من خلال خلق الوظائف وتدميرها؟ هذا الجزء من حياة رومني المهنية بالذات كان محل هجوم شرس من خلال حملة إعلانية تلفازية مضادة قام بها منافسه على الترشح عن الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة "نيوت جنجريتش" منذ عدة أسابيع في "كارولينا الجنوبية". تلك الأسئلة الكثيرة وغيرها لا تزيل الحيرة حول شخصية رومني، فلا يزال الأميركيون حائرين بشأن الكثير من جوانب حياته، مثل اعتناقه العقيدة المارمونية، والدور الهائل الذي لعبته تلك العقيدة في حياته الشخصية والعائلية، والتي وصلت إلى حد ذهابه للتبشير بها في فرنسا ... وهل يمكن أن يؤثر إيمانه بها على حظوظه الانتخابية لدى الناخبين الجمهوريين المحافظين الإنجيليين؟ ورغم أن السياسة الأميركية، خصوصاً السياسات الانتخابية، معروفة بشراستها، وأساليبها غير الشريفة غالباً، وباحتوائها على قدر كبير من الهزل والابتذال، فإن المؤلفين في كتابهما هذا- الذي اعتمد على أرشيف "بوسطن جلوب" التي كانت من أكثر الصحف اهتماماً بتتبع مسيرة رومني، بالإضافة إلى مقابلات مع شخصيات بعضها مذكور اسمه وبعضها فضل عدم كشف هويته، يقدمان لنا صورة رجل راجح العقل، مهذباً، ليس أحمقاً ولا دجالاً كما يروّج البعض، يتمتع بالذكاء والسخاء... لكن عيبه أنه لا يمتلك ذلك القدر من الشجاعة والمثابرة اللتين كان يتمتع بهما والده جورج رومني الذي كان مديراً تنفيذياً لشركة جنرال موتورز في عصرها الذهبي، كما كان من أفضل من تولوا منصب حاكم ولاية ميتشجان. الكثير مما يحتوي عليه الكتاب يجعلنا نشعر بأن ما يحدث مع "رومني الآن" قد حدث من قبل ليس مرة واحدة وإنما عدة مرات، وكأن مؤلفي الكتاب يريدان القول إن هناك إمكانية حقيقية لأن يصبح رومني رئيساً للولايات المتحدة. بيد أن السؤال الذي يتردد على ألسنة الكثيرين حالياً هو ما إذا كانت مقاربات رومني، وطباعه الشخصية التي تبدت في تصريحاته وخطبه العديدة أثناء حملته الحالية، والتي كشفت افتقاره للتلقائية عند إلقاء خطبه وكلماته أمام الجماهير. فهل تلك الطباع والسمات تؤهله حقاً لزعامة الأمة الأميركية؟ يجيب الكتاب عن ذلك بالقول إن رومني يبدو في نظر كثير من الناخبين الجمهوريين مستوفياً للصورة المعتادة للرؤساء في أذهانهم، صورة الرئيس المعتد بنفسه، المعتز بشخصه، غير المبتذل، الذي لا يحب، ويفعل كل ما في وسعه لتجنب الحديث مع المشرعين، ويفضل التحكم في حركة النقاش العام عبر الخطب البليغة الملقاة من فوق منصات الخطابة أمام الجماهير، وليس من خلال المساومات والصفقات القائمة على الأخذ والعطاء من وراء ستار. أما بالنسبة لهيئته كرئيس محتمل، فالرجل يتمتع بمظهر حسن وطلعة وقورة، وقامة طويلة. وليس هذا كل ما يتمتع به رومني، فهو أيضاً يزهو بتاريخه الطويل الذي قضى جزءاً كبيراً منه في قاعات مجالس إدارات الشركات الكبرى وليس في أروقة وكواليس السياسة فحسب، مما أكسبه خبرة كبيرة في مجال الاقتصاد تمكنه من مواجهة أوباما الذي يوجه إليه العديد من الانتقادات بشأن سياسته الاقتصادية الحالية. سعيد كامل الكتاب: رومني الحقيقي المؤلفان: مايكل كرانش وسكوت هيلمان الناشر: هاربر كولينز تاريخ النشر: 2012