تمتلك المملكة العربية السعودية أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ويمثل احتياطيها نحو خمس الاحتياطي العالمي من النفط. كما تشكل إيرادات النفط دوراً مهماً في الاقتصاد الوطني السعودي، إذ يمثل القطاع النفطي أكثر من ثلث الناتج المحلي الإجمالي، وتشكل إيراداته نحو ثلثي الإيرادات العامة. هذا فضلاً عن قدرات المملكة الاحتياطية والإنتاجية في مجالي الغاز الطبيعي وتصنيع النفط. ومن هذا الوضع تتبلور "محددات السياسة النفطية الإنتاجية والسعرية للمملكة العربية السعودية"، كما يشرحها الكتاب الذي نعرضه هنا، لمؤلفه خبير السياسات النفطية الدكتور عمار محمد سلو العبادي، والذي يقول إن السياسة النفطية السعودية تهدف إلى تحقيق الاستقرار في الإيرادات من النفط، والمحافظة على حصة النفط في استهلاك الطاقة، واستمرار النمو في الطلب عليه، وإلى استقرار السوق النفطية بما يخدم البلدان المنتجة والمستهلكة ونمو الصناعة النفطية دون إضرار بنمو الاقتصاد العالمي. ويبحث المؤلف في وجود اتسـاق من عدمه بين سـلوك السـعودية الإنتاجي والنظرية الاقتصادية، ودورها فـي تحديد السعر النفطي في "أوبك"، ومن ثم في السوق العالمية للنفط الخام. لقد اتضح أن التغيرات الحادة في الأسعار لا تخدم البلدان المنتجة أو المستهلكة أو الاقتصاد العالمي، مما يستدعي تكاتف الجهود في السوق النفطية. ومن هنا عملت السعودية على تنسيق جهود البلدان المنتجة وفتحت قنوات الحوار مع البلدان المستهلكة لتحقيق ذلك الاستقرار. كما تبيَّن أن اهتمام البلدان المستهلكة بأمن الإمدادات النفطية (العرض)، يقابله اهتمام البلدان المنتجة بموضوع أمن الطلب. وقد عملت السعودية بوصفها عجلة التوازن في السوق النفطية، وذلك عبر البلدان المستهلكة باستمرار الإمدادات عن طريق التدخل لتعويض أي انقطاع طارئ، وقامت ببناء طاقة إنتاجية عالية تقدر بنحو أربعة ملايين برميل يومياً غير مستغلة، تحسباً لذلك الاحتمال. ويعتمد الكتاب على جداول وإحصائيات كثيرة، يتتبع من خلالها التناوب بين الزيادة والنقصان في حصة السعودية من إنتاج أوبك، حيث كانت تساوي في عام 1971 حوالي 20 في المئة، ثم ارتفعت إلى نحو 44 في المئة عام 1981. ورغم زيادة السعودية حجمَ إنتاجها النفطي بين عامي 2005 و2010، إلى ما فوق حاجز العشرة ملايين برميل يومياً، فإن حصتها من إنتاج "أوبك" لم تصل إلى نسبة 30 في المئة التي وصلتها في أعوام سابقة وبكميات إنتاجية أقل. وعن السياسة النفطية السعودية، يقول المؤلف إنها صيغت وفق خمس ركائز: الأولى هي امتلاكها لاحتياطي نفطي ضخم يصل 265 مليار برميل، ما يمثل 20 في المئة من الاحتياطي العالمي. والثانية أن السعودية تتصدر جميع المنتجين باستثناء روسيا التي بلغ إنتاجها حوالي 10?270 مليون برميل يومياً في عام 2010، مقابل 10?007 مليون للسعودية في العام نفسه. أما الركيزة الثالثة فهي قدرة السعودية على إنتاج كمية إضافية من النفط الخام تصل 2?3 مليون برميل يومياً، بكفاءة عالية ودون تأخير. هذا فيما تتلخص الركيزة الرابعة في اهتمام السعودية باستقرار إمدادات النفط العالمية والمحافظة على البيئة وعلى قوة الاقتصاد العالمي. وأخيراً تتلخص الركيزة الخامسة في سعي السعودية للحصول على التقنية ولزيادة خبرتها في صناعات النفط وتطويرها. ويعتقد المؤلف أن التذبذب في العوائد النفطية للمملكة لم يؤثر في جهود استكشافاتها النفطية الجديدة، بل أن أغلب هذه الاكتشافات وما أضافته إلى الاحتياطيات النفطية للسعودية، كانت في أوقات عرفت خلالها صناعة النفط السعودية انخفاضاً في الأسعار العالمية للنفط، لاسيما في ثمانينيات القرن الماضي. كما ظهر أدنى معدل إنتاج سنوي للنفط الخام السعودي في الفترة التي مارست فيها السعودية دور المنتج المرجح ضمن "أوبك". ويستنتج المؤلف أن زيادة الاستهلاك المحلي من المشتقات النفطية في السعودية، يعود إلى التوسع الحاصل في القاعدة الصناعية للمملكة، فضلاً عن التطور الحاصل في قطاعات الاقتصاد المختلفة، وإن لم يكن له تأثير معنوي في تقرير السياسة السعرية التي تتبعها المملكة المعبر عنها بسعر خامها النفطي. وفيما يخص أولويات السياسة النفطية السعودية ضمن الإطار العالمي، يذكر المؤلف سعي المملكة إلى إبقاء النفط المصدر الأول في إنتاج الطاقة عالمياً، فالأسعار المرتفعة للنفط ستؤدي إلى دخول منتجين ثانويين السوق النفطية، وإلى قيام البلدان المستهلكة بزيادة جهود أبحاثها للاعتماد على مصادر أخرى للطاقة بديلةً عن النفط. محمد ولد المنى الكتاب: محددات السياسة النفطية الإنتاجية والسعرية للمملكة العربية السعودية المؤلف: عمار محمد سلو العبادي الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2012