أحاول في هذا المقال استكشاف ملامح خريطة الانفجار السياسي والاجتماعي والأخلاقي الذي ساد المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير. وللأسف الشديد يمكن القول إن الإيجابيات البارزة للثورة وانعكاساتها على تجلي السمات الإيجابية في الشخصية المصرية واختفاء علامات الخنوع للسلطة والاستسلام للقهر السياسي، وبداية المسيرة المتعثرة للانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، قد غطت عليها سلبيات لا حدود لها، أشاعت الإحباط لدى ملايين المصريين، وأشعرتهم بأن البلاد قد دخلت في نفق معتم لا يبدو أن هناك مخرجاً قريباً منه. لقد ترتب على هدم الثورة للنظام السياسي القديم تصدر القوى السياسية التقليدية مثل جماعة "الإخوان المسلمين" والسلفيين للمشهد السياسي، بعد أن حصلوا على الأكثرية في انتخابات مجلس الشعب والشورى، في حين انزوت ائتلافات شباب الثورة بعد أن تشرذموا إلى مئات الجماعات الثورية المتنافسة تنافساً عقيماً على الزعامة الكاذبة والتواجد الإعلامي. وكذلك انكفأت القوى الليبرالية واليسارية في هامش ضيق لا يكاد يسمح لها بأن تتنفس. وعلى رغم أن جماعة "الإخوان المسلمين" وذراعها السياسي وهو حزب "الحرية والعدالة" رفعت شعار "مشاركة لا مغالبة"، إلا أنها سرعان ما نسيته في غمار النشوة العظمى التي انتابت قياداتها السياسية بعد أن خرجت من السجون والمعتقلات لتصدر سدة الحكم. وهكذا تحولت المشاركة -للأسف- إلى مغالبة، وظهرت بوادر تحول حزب "الحرية والعدالة" لممارسة ديكتاتورية الأغلبية. والدليل على ذلك التهافت على تشكيل حكومة "إخوانية" خالصة بدعوى أنها ستكون ائتلافية من خلال سحب الثقة من وزارة الدكتور "الجنزوري"، حتى تكتمل للجماعة سيطرتها على السلطة التنفيذية بعد أن سيطرت على السلطة التشريعية. وهي تسعى سعياً محموماً وراء الكواليس لدعم مرشح لرئاسة الجمهورية يكون ألعوبة في يدها، وهكذا تكتمل السيطرة الكاملة لجماعة "الإخوان" على مجمل الفضاء السياسي المصري. وبهذه الصورة يتحول المجتمع المصري الذي حررته ثورة 25 يناير من براثن ديكتاتورية الحزب الوطني الديمقراطي المقيتة التي شوهت كلاً من الشخصية المصرية والمجتمع بكل أبعاده، إلى الوقوع أسيراً لديكتاتورية جديدة أخطر من الديكتاتورية السياسية السابقة، لأنها هذه المرة ديكتاتورية باسم الدين الإسلامي الذي تزعُم جماعة "الإخوان المسلمين" وأنصارها من السلفيين أنها هي وحدها المعبرة عن مقاصده العليا، والمسؤولة عن تطبيق أحكامه، وفقاً لقراءتها للنصوص الدينية وسطية كانت أو متشددة. وفي الوقت الذي تمضي فيه جماعة "الإخوان المسلمين" -استناداً إلى أكثرية المقاعد التي حصلت عليها هي وحزب "النور" السلفي- في فرض سياساتها وأوضحها في الفترة الأخيرة القرار الخاص باستئثار مجلس الشعب والشورى بنسبة خمسين في المئة من أعضاء اللجنة التأسيسية، تاركين لكل فئات المجتمع خمسين في المئة فقط، فإن ائتلافات الثوار التي أحست بأنها استبعدت -بحكم نتيجة الانتخابات من الممارسة السياسية الدستورية- انصرفت بحكم اليأس والقنوط إلى ممارسات ثورية عبثية في الواقع! وأبرز هذه الممارسات زعم مجموعة من السياسيين -لا نعلم عن أعضائها الكثير- تشكيل مجلس لقيادة الثورة! وفي محاولة عبثية أخرى صدر قرار من مجموعة ثانية بتشكيل برلمان الثورة! بل إن معدلات العبث زادت عن حدها لأنه قيل إنه أجريت انتخابات لانتخاب رئيس البرلمان "ووكيليه" ورؤساء لجانه! وهكذا ضعنا بين ديكتاتورية التيارات الدينية، وعبثية الممارسات الثورية! وأصبحت جموع الشعب المصري في حيرة من أمرها، وخصوصاً بعد أن زاد عدد المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية عن 600 مرشح، مما يشير إلى ذروة العبث السياسي، لأن القانون القاصر والمعيب لم يضع أي شروط مانعة لا تسمح لعابري السبيل وهواة الشهرة الكاذبة والأدعياء والمتطفلين بأن يشوهوا بهذا الشكل أول انتخابات حقيقية لاختيار رئيس الجمهورية. وإذا ولينا وجوهنا إلى الانفجار الاجتماعي فإننا سنواجه باللا معقول في المطالبات الفئوية! كل الفئات سواء كانت عمالاً أو موظفين في الشركات أو في الحكومة أو في القطاع العام، تمارس الإضرابات والاعتصامات، بل وتهاجم باستخدام كل وسائل "البلطجة" مكاتب المديرين ورؤساء المصالح، إلى درجة يقع معها أحياناً حبس المدير رهينة حتى يوقع على المطالب اللا معقولة التي ترفعها هذه الفئات المتعددة! وإذا كانت هناك مشروعية لاشك فيها للإضرابات المنظمة والاحتجاجات التي يقوم بها العاملون مهما تعددت فئاتهم -وخصوصاً أنهم خضعوا من قبل لظلم اجتماعي شديد في ظل النظام السياسي القمعي الذي أسقطته ثورة 25 يناير بضربة واحدة خاطفة- إلا أن هناك حدوداً ما كان ينبغي أن يتخطاها هؤلاء المحتجون. لقد وجدنا في حالات متعددة شعارات تنادي بالمساواة بين العاملين مساواة مطلقة في المرتبات والحوافز، بغض النظر عن تعدد مستويات التعليم والخبرة، فالممرضون -مثلاً- يريدون التساوي المطلق مع الأطباء، والإداريون في الجامعات يريدون التساوي المطلق مع الأساتذة، والإداريون والفنيون في التلفزيون يريدون المساواة المطلقة مع المذيعين ومقدمي البرامج. ووصلت بالفوضى آمادها إلى الجامعات، ليس فقط في إصرار الطلبة على التدخل غير المشروع في اختيار عمداء الكليات ورؤساء الجامعات الذي ينبغي أن يترك فقط للأساتذة، ولكن أيضاً في المظاهرات الاحتجاجية التي يقومون بها ضد أستاذ بعينه لأن نسبة الرسوب في مادته عالية ويريدون إعادة التصحيح لإنجاح الراسبين! إنها فوضى اجتماعية عارمة لا حدود لها، صحبتها مظاهر مؤسفة للانهيار الأخلاقي، مؤشراتها نسف كل قواعد التراتبية الاجتماعية التي نصت عليها القوانين ورسختها الأعراف المقبولة. فالطالب لم يعد يحترم الأستاذ بل صار يتعدى عليه، سواء في لغة الخطاب أو التعامل، وذلك باسم الحرية التي منحته إياها الثورة، وهذا خلط معيب بين الحرية والفوضى. ومن ناحية أخرى فالعمال لا يقيمون وزناً لاحترام المديرين بل إنهم -في بعض الحالات- يشعرون بأن من حقهم أن يقتحموا مكاتبهم وأن يحبسوهم فيها إلى أن يوافقوا وهم صاغرون على مطالبهم حتى لو كانت غير معقولة، ولو لم تكن هناك ميزانية تسمح بتحقيقها، وذلك تحت شعار "الآن وفوراً" وإلا أوقفوا العمل، أو اقطعوا الطريق، أو امنعوا باقي العمال والموظفين من دخول أمكنة العمل. وهكذا يمكن القول إن ثورة 25 يناير قد أخرجت أنبل ما في الشخصية المصرية وأبرزها الجسارة وعبور المستحيل، والقضاء على الديكتاتورية من خلال تضحيات جسيمة قام بها الثوار. إلا أنها أيضاً -للأسف الشديد- أبرزت أسوأ ما في الشخصية المصرية من سلوكيات معيبة وأخلاقيات متدنية وسلوك فوضوي، وخرق للقانون وعدم اعتداد بالأعراف المستقرة. وفي تقديري أنه ليس هناك مجال للخروج من النفق المظلم لهذه الانفجارات السياسية والاجتماعية والأخلاقية سوى البحث عن آفاق الحرية، وفق منهج فكري متكامل لا يقف عند ظاهر الأشياء، وإنما يغوص في صميم التربة الاجتماعية والثقافية ليستخرج من جديد أنبل ما في الشخصية المصرية.