تختلف خريطة المرشحين في الانتخابات الرئاسية المصرية، والتي فُتح باب الترشيح لها يوم 10 مارس الجاري وحتى 8 أبريل المقبل، عنها في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة التي أُجريت بين نوفمبر ويناير الماضيين. كانت خريطة الانتخابات البرلمانية أكثر وضوحاً، وخطوطها أكثر تحديداً، لأن الاستقطاب الإسلامي الليبرالي هو الذي رسم معالمها الأساسية. لذلك تضمنت تلك الخريطة ثلاث مساحات يسهل إعطاء كل منها لوناً مختلفاً، وهي المساحة الكبيرة التي شغلتها أحزاب وقوى إسلامية، ومساحة ثانية لأحزاب وتيارات ليبرالية ويسارية، ثم مساحة ثالثة أصغر منهما ضمت أطرافاً عدة لا يجمعها جامع إلا عدم وجود مكان لها في المساحتين الأخريين وإن تداخل بعضها مع هذه المساحة أو تلك. ودار الصراع الانتخابي الرئيسي على مستويين، أولهما بين القوى التي شغلت المساحة الإسلامية وتلك التي تركزت في المساحة الليبرالية. وثانيهما في داخل المساحة الإسلامية نفسها بين "حزب الحرية والعدالة" (الإخوان) وتكتل "حزب النور" الذي ضم ثلاثة أحزاب وعدة جماعات سلفية. وكان هناك صراع على مستوى أقل داخل المساحة الليبرالية، وآخر محدود أيضاً بين أطراف المساحة الثالثة المختلطة وغيرها في المساحتين الأخريين. ورغم أن خريطة مرشحي الانتخابات الرئاسية لم تأخذ صورتها النهائية بعد، إذ لا يزال هناك 17 يوماً قبل غلق باب الترشح، فقد أصبح واضحاً أن تضاريسها تختلف كثيراً عن تلك التي اتسمت بها خريطة الانتخابات البرلمانية. فالاستقطاب الإسلامي الليبرالي ليس العامل الرئيسي أو المحدد الأول لخريطة مرشحي الرئاسة، رغم أن شيئاً لم يتغير بشأنه منذ انتهاء الانتخابات البرلمانية. فالأجواء السياسية والثقافية لا تزال مشبعة بهذا الاستقطاب ومؤثرة في عملية إعداد الدستور الجديد. لكن طبيعة الانتخابات الرئاسية نفسها تجعل أثره فيها أقل نسبياً مقارنة بالانتخابات البرلمانية. فشخصية المرشح تلعب دوراً أكبر من الانتماء السياسي والفكري. كما أن تأثير الأحزاب والقوى السياسية ذات الشعبية الأوسع في الانتخابات الرئاسية يقل عنه في الانتخابات البرلمانية، خصوصاً إذا لم يكن للحزب نفسه مرشح من بين قادته أو أعضائه. فالفرق كبير بين أن يقدم الحزب مرشحاً ينتمي إليه، وأن يؤيد أو حتى يعلن مرشحاً مستقلاً يختاره من بين المرشحين. ومن السمات الأساسية للانتخابات الرئاسية المصرية، التي ستجرى يومي 24 و25 مايو المقبل، أنها ليست حزبية. فقليلة هي الأحزاب التي قدمت مرشحين من أعضائها، وكلها أحزاب صغيرة حتى الآن. أما الحزب الأكبر في مصر اليوم، وفق نتائج الانتخابات البرلمانية، وهو "الحرية والعدالة"، فقد التزم بما كانت جماعة "الإخوان" تعهدت به عشية تنحي مبارك، وهو أنها لن تقدم مرشحاً في أول انتخابات رئاسية. ولم يعلن هذا الحزب رسمياً بعد المرشح الذي سيؤيده، إذ أرجأ ذلك إلى أن يتم غلق باب الترشح واكتمال خريطة المرشحين. وسيكون لموقف هذا الحزب أثر مهم بطبيعة الحال، لكنه ليس حاسماً. فالمرشح الذي سيحظى بتأييد الحزب الذي حصل على أكبر عدد من الأصوات والمقاعد في الانتخابات البرلمانية سيكون محظوظاً بالتأكيد. لكن هذا لا يضمن فوزه إلا إذا كانت لديه قاعدة انتخابية أخرى أو أكثر، لأن تأييد "الإخوان" قد لا يجلب له أكثر من مليوني صوت من بين أكثر من 50 مليوناً ذهب نحو 30 مليوناً منها إلى صناديق الاقتراع في انتخابات مجلس الشعب. ورغم أن "الحرية والعدالة" حصل على أكثر من عشرة ملايين صوت في هذه الانتخابات، فالأرجح أنه لا يستطيع توجيه أكثر من 20 في المائة منها في انتخابات ليس له مرشحاً فيها. ويمكن لجماعة "لأخوان" التأثير في الحلقات والدوائر القريبة إليها. لكن تأثيرها أقل على الناخبين العاديين الذين اقترعوا لمصلحة مرشحي "الحرية والعدالة" وحلفائه في الانتخابات البرلمانية. فمعظم هؤلاء الناخبين يندرجون في إطار "الأغلبية الصامتة" التي فاجأت الجميع عندما أقبلت على الانتخابات البرلمانية فرفعت نسبة التصويت فيها إلى 62 في المائة. وينطبق ذلك على "حزب النور" الذي حصل على المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية، والتيارات السلفية المرتبطة به، سواء قرر مساندة المرشح السلفي الأكثر شهرة حازم أبو إسماعيل أو شارك في "صفقة" محتملة مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وآخرين لدعم مرشح تتفق عليه هذه الأطراف أو ترك لأعضائه حرية الاختيار. فقد بدا خلال الأسابيع الأخيرة أن الجماعات السلفية ليست على قلب رجل واحد في الانتخابات الرئاسية، وأن أصواتها التي حُشدت لمصلحة تكتل "حزب النور" في الانتخابات البرلمانية ستتفرق بين عدد من المرشحين في الانتخابات الرئاسية. وهكذا تبدو خريطة مرشحي الرئاسة المصرية في حال سيولة حتى الآن، ونحن في منتصف الفترة المحددة لقبول طلبات الترشح. غير أنه إذا أردنا تقسيمها إلى مساحات مبدئية قابلة لبعض التغيرات في الأسبوعين القادمين، يمكن الإشارة إلى مساحتين أساسيتين. الأولى هي مساحة مرشحي التغيير الجذريين (الراديكاليين) الذين يريدون تحقيق تحولات كبيرة في معادلة السياسة والمجتمع. وهي تشمل معظم المرشحين الإسلاميين (عبد المنعم أبو الفتوح وحازم أبو إسماعيل وسليم العوا وباسم خفاجى)، والمرشحين القوميين واليساريين مثل حمدين صباحي وأبو العز الحريري وخالد علي وهشام بسطويسي ومرشحين مستقلين مثل يحيي حسين وبثينة كامل. أما المساحة الثانية فتضم المرشحين التقليديين أو المحافظين الذين يريدون إصلاحات غير جذرية ولكنها متفاوتة وفي مقدمتهم منصور حسن وعمرو موسى وأحمد شفيق وحسام خير الله. وإذا لم يظهر مرشح جديد ثقيل في الأيام القادمة، ربما يمكن تصور سيناريوهين. أولهما أن تنتهي الانتخابات بعدم حصول أي مرشح على 50 في المائة + 1 بسبب تشتت الأصوات. والأرجح، عندئذ، أن يكون المرشحان الأكثر تقدما اللذان تجري إعادة بينهما هما إما عمرو موسى أو منصور حسن من ناحية وأبو الفتوح أو أبو إسماعيل من ناحية ثانية. أما السيناريو الآخر فهو أن يتحقق الاحتمال المتعلق بإمكان وجود صفقة لدعم مرشح معين بين "المجلس العسكري" وقوى إسلامية. وعندئذ ربما يتمكن هذا المرشح من حسم الانتخابات لمصلحته، إلا إذا حدث تغير في الجانب الآخر على خريطة المرشحين (الجذريين) سعياً إلى الحد من تشتت أصوات مؤيديهم وإهدارها كلها. وعندئذ قد يفضي هذا السيناريو بدوره إلى إعادة الانتخابات بين المرشح الذي يحصل على دعم "المجلس العسكري" وقوى إسلامية وربما أطراف أخرى، ونظيره الذي يحدث توافق عليه بين قوى التغيير الجذري.