أفرزت ثورة المعلومات والاتصالات الحديثة العديد من المفاهيم الاقتصادية الجديدة مثل اقتصاد المعرفة(Knowledge Economy)، واقتصاد المعلومات (Information Economy)، ومؤخراً مفهوم اقتصاد الإنترنت (Internet Economy). ويمكن إدراك أهمية هذا المفهوم الأخير من خلال الدراسات التي تظهر أن حجم اقتصاد الإنترنت في الدول العشرين الأغنى والأكبر اقتصاديّاً في العالم، والمعروفة باختصار (G20)، يبلغ حاليّاً 2,3 تريليون دولار، مع التوقع بأن يتضاعف تقريباً حجم اقتصاد الإنترنت في هذه الدول وحدها إلى 4,2 تريليون دولار بحلول عام 2016، نتيجة للتوسع في استخدام الإنترنت عبر شبكات المحمول والهواتف النقالة. ونتيجة للانخفاض المستمر في أسعار الهواتف الذكية (Smartphones)، وزيادة القدرات التقنية للشبكات اللاسلكية على حمل البيانات، يفترض أيضاً أنه بحلول عام 2016 سيعتمد 80 في المئة من مستخدمي الإنترنت على الهواتف الذكية للدخول على الشبكة، بالإضافة إلى نسبة أخرى ستعتمد على الهواتف المميزة وغير الذكية (Feature Phones). وتفترض هذه الدراسة التي أجرتها إحدى الشركات الاستشارية المرموقة (Boston Consulting Group)، بدعم من شركة "جوجل"، أن عدد مستخدمي الإنترنت سيصل في غضون أربعة أعوام إلى 3 مليارات شخص، أي نصف عدد أفراد الجنس البشري تقريباً، بناء على تقدير مؤداه أنه بمرور كل عام سيستخدم 200 مليون شخص الإنترنت للمرة الأولى في حياتهم. وتحتل بريطانيا المركز الأول بين اقتصادات الدول الكبرى على صعيد نسبة مساهمة اقتصاد الإنترنت في مجمل الاقتصاد العام، وبمقدار 8,3 في المئة من الناتج القومي، وهو ما يعادل 121 مليار جنيه إسترليني سنويّاً (700 مليار درهم)، أو 2000 جنيه إسترليني لكل بريطاني. وهذا أيضاً يجعل مساهمة اقتصاد الإنترنت في الاقتصاد البريطاني، أكبر من مساهمة قطاع الرعاية الصحية، أو قطاع التعليم، أو قطاع الإنشاءات والمقاولات. وعلى رغم هذا الحجم الهائل من الدخل الذي يوفره اقتصاد الإنترنت لبريطانيا وللبريطانيين، والذي يزيد عن مجمل الدخل القومي للعديد من الدول، يتوقع أن يستمر نمو مساهمة اقتصاد الإنترنت في الاقتصاد البريطاني خلال الأعوام القادمة، وبنسبة 11 في المئة سنوياً، ليصل حجمه إلى 221 مليار جنيه إسترليني (1,3 تريليون درهم) في غضون أربعة أعوام، وهو ما يزيد عن حجم الناتج القومي الإجمالي لاقتصادات عدة دول مجتمعة. وتحتل بريطانيا أيضاً المركز الأول بين اقتصادات الدول الكبرى على صعيد نسبة التسوق عبر الإنترنت، حيث يقوم البريطانيون بشراء 13,5 في المئة من جميع مشترياتهم عبر الإنترنت، مع توقع أن تصل هذه النسبة إلى 23 بالمئة بحلول عام 2016. ويُعزى هذا النجاح البريطاني إلى عدة عوامل، منها توفر بنية تحتية متطورة لاستخدام الإنترنت، سواء لقطاع الأعمال، أو للمستهلكين في منازلهم، من خلال ما يعرف بنطاق البيانات العريض (Broadband)، أو الإنترنت السريع، وبأسعار تنافسية، بالإضافة إلى ضخ استثمارات مالية من قبل الحكومة وقطاع الأعمال، واتباع سياسات محفزة للبحوث والتطوير في مجالات التقنيات الرقمية. وإن كان الاستثمار في دعم ما يعرف بالتعليم الرقمي، والهادف إلى بناء المهارات الضرورية بين فئات المجتمع المختلفة لاستخدام الإنترنت، سواء كوسيلة لتنفيذ الأعمال، أو لشراء الاحتياجات، أو قضاء المتطلبات الحياتية اليومية، يعتبر السبب الأهم خلف هذا النجاح. ونجد على النقيض من ذلك، حسب النسخة الأخيرة من تقرير المعرفة في العالم العربي (Arab Knowledge Report)، الذي استعرضت أهم نقاطه خلال مؤتمر عقد الأسبوع الماضي في مدينة دبي، ونظمته مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حيث صنف القائمون على التقرير مهارات تقنية المعلومات (IT skills) بين شباب الدول العربية، على أنها ضعيفة في أحسن تقدير. فحسب الاختبارات التي خضع لها الشباب المشاركون في التقرير، من الإمارات، واليمن، والأردن، والمغرب، حقق 61 في المئة منهم درجة أقل من 12,5 من مجموع 25، أي أن ثلثي المشاركين تقريباً حققوا علامات أقل من خمسين في المئة من الدرجة النهائية. وفسر مدير مكتب الدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه النتيجة المتدينة بأنها بسبب ندرة برامج الكمبيوتر المكتوبة باللغة العربية، بالترافق مع ضعف مهارات اللغة الإنجليزية للمدرسين والطلاب على حد سواء، وهي تظهر بشكل جلي إخفاق النظم التعليمية في الدول العربية في التأكيد على أهمية التقنيات الحديثة كوسيلة اتصال. وتأتي نتائج هذا التقرير غير المشجعة في غضون مرحلة مفصلية في التاريخ البشري، يتحول فيها الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد معرفة، أو اقتصاد مبني على المعرفة، ضمن الشكل الجديد المتوقع للمجتمعات البشرية، المعروف بمجتمع المعلومات (Information Society)، مقارنة بالمجتمعات الزراعية والصناعية التقليدية. ومثل هذا التحول يتطلب إعادة كتابة القواعد والممارسات التي كانت تمثل أسس النجاح في المجتمعات التقليدية، بحيث تتناسب هذه القواعد والممارسات مع اقتصاد عالمي متداخل ومتواصل على مدار الساعة، تكتسي فيه مصادر المعرفة والخبرات أهمية فائقة، تعادل أهمية المصادر الطبيعية، وبقية المصادر الاقتصادية الأخرى. حيث أصبح رأس المال البشري يضاهي، ويزيد في الأهمية أحياناً، عن رأس المال المادي، مما يجعل الاستثمار في الأجيال القادمة من أساسيات ضمان الاستمرار المستقبلي للتنمية والرخاء في المجتمعات الحديثة.