تشكل سوريا حالة خاصة بسبب أهميتها السياسية والاستراتيجية في الصراع بين العرب وإسرائيل، وموقعها المتميز في وسط العالم العربي، وجوارها لكل من إسرائيل وتركيا، وجذورها التاريخية الممتدة بعمق في التاريخ العربي والإسلامي. لكن سوريا بشكلها الحديث ووضعها الجغرافي، كما برزت نتيجة للتواجد الأوروبي في المنطقة والانتداب الفرنسي على بلاد الشام، يواجه سكانها مشكلة هوية عميقة الجذور، فمن هو السوري؟ هل هو العربي المسلم السني؟ أم العربي المسيحي؟ أم العلوي الشيعي؟ أم الدرزي؟ أم الكردي؟ أم هو بقايا الأقليات والأعراق والقوميات التي خلفها الرومان والعرب والأتراك العثمانيون؟ الحقيقة التاريخية تشير إلى أن السوريين الحاليين هم نتاج انصهار كل تلك الملل والأعراق والطوائف والأجناس والأديان في البوتقة السورية، لكن السياسة ومطامع بعض النخب، تفعل فعلها حالياً وتنخر الجسد السوري الذي تكوّن على مدى آلاف السنين التي مرت وشهدت خلالها البلاد تفاعلات وانصهارات وتداخلات خلقت كياناً يضم الجميع تحت جناحيه. وحالياً، أغلبية السكان هم العرب السنّة، لكن هؤلاء خارج السلطة السياسية، ومن ثم القوة الاقتصادية، تحكمهم الأقلية العلوية وهي فرقة شيعية. وهذه الحقيقة تخلق لسوريا حالة توتر عميقة أخذت تتعاظم منذ أن وصل العلويون إلى السلطة من خلال حزب "البعث". قبل الحرب العالمية الأولى، لم تكن سوريا دولة معرّفة المعالم، بل منطقة فضفاضة تعرف على أساس المدن والبلدات التي تكونها، وكل مدينة كانت تشكل فكراً سياسياً خاصاً بها على أنها جزء من مجال جغرافي أوسع هو بلاد الشام. وبعد الحرب العالمية الأولى تزايدت المطالب بالاستقلال وتكوين دولة، وعندما أصبح الأمير فيصل بن الشريف حسين حاكماً عسكرياً لسوريا، تزايدت الآمال في تكوين تلك الدولة، وعقد فيصل مؤتمراً عام 1920 أعلنت فيه سوريا دولة ذات سيادة ونُصِّب فيصل ملكاً عليها. لكن بسبب المصالح الاستعمارية، لم تعترف بريطانيا وفرنسا باستقلال سوريا، وتم إعلان فرنسا كقوة انتداب وزحفت جيوشها من بيروت صوب دمشق، وسحقت الانتفاضة العربية لجموع المواطنين الذين التفوا حول فيصل، وأدت سياسة "فرق تسد" الفرنسية إلى إبقاء الجسد السوري متفرقاً. وفي المرحلة السورية الحالية، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فهل يعي السوريون ما يجري حولهم؟ في معظم مراحل تاريخها كانت سوريا تصوراً جغرافياً أكثر منها دولة ذات حدود متفق عليها قبل عام 1946، ولأن القيادات الإقليمية كانت قد تواجدت بشكل خاص ضد الانتداب الفرنسي، فإن الصراعات تأجلت إلى ما بعد الاستقلال. ثم اصطبغت السياسة بالعنف والصراع وتبدل الحكومات السريع. وشهدت البلاد انقلاباً تلو الآخر في الفترة بين عامي 1929-1970 في الوقت الذي كان يفقد فيه الوطنيون والقوميون العرب مواقعهم المتقدمة في الدولة والمجتمع لصالح أعضاء "البعث" الذي انحدر معظمهم من الطائفة العلوية. لذلك فما يحدث حالياً يعكس وجود اختلالات عميقة في توزيع السلطة والثروة بين مكونات المجتمع السوري، وإذ لم ينتبه السوريون، خاصة النخبة السياسية الحاكمة، ويقومون بإعادة توزيع عادل على أساس من إنصاف الأغلبية، فإن البلاد ستسير إلى طريق مسدود وستدخل دوامة لن يجدي العنف المفرط المستخدم حالياً في إنهائها وإعادة سوريا إلى طريق الأمن والاستقرار.