ليس برج خليفة، ولا حلبة ياس لسباقات الفورمولا-1، ولا مسجد الشيخ زايد الكبير، ولا جزيرة النخلة... ولا غيرها من الأيقونات الرائعة في الإمارات هي أهم إنجازات الدولة، وإنما الإنجاز الحقيقي لدولة الإمارات هو توحيد الوطن وبناء الإنسان. عباقرة هم الرجال الذين أسسوا دولة الإمارات قبل أربعين عاماً، فقد كان يمكنهم أن يطلقوا على الفرد في هذه الدولة الحديثة "إماراتياً"، كما أن هناك مصرياً وقطرياً وسعودياً ولبنانياً وأميركياً وصينياً وغيرهم... لكنهم اختاروا أن ينادوا أبناء هذه الدولة بـ "مواطن"، وعندما يخرج من حدودها يكون "إماراتياً"، ولم يأت هذا الخيار اعتباطاً وإنما من فلسفة عميقة وبعد نظر ومن حب لهذه الأرض ولمشروع الوطن الجديد. ولأن المؤسسين أرادوا أن يضعوا جميع المواطنين في وضع متساو في الإمارات السبع أمام مسؤولياتهم الوطنية وأمام واجباتهم وأمام حقوقهم وأن يكون ما يحكمهم هو القانون، فقد اختاروا أن يطلق على الفرد الإماراتي بـ"مواطن" في تلك المرحلة المهمة من تاريخ البلاد. وقبل كل ذلك كانت حرية الإنسان وكرامته محفوظتين بشكل لا يختلف عليه اثنان فهما من أساسيات المواطنة. المواطن -كما يتم تعريفه لدى البعض- هو فرد يندرج ضمن الدولة له حقوق وعليه واجبات وكما يكون حراً وسيداً يكون في نفس الوقت مطيعاً للقوانين وخاضعاً لها. ومفهوم المواطنة تبلور بشكل واضح بعد صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في عام 1948، أما على أرض الواقع فلا يخفى على أحد أن فكرة المواطنة لا تزال تواجه تحديات كبيرة في كثير من دول العالم بما فيها بعض الدول الغربية. وهناك عناصر ومكونات أساسية يتفق المنظرون في مسألة الوطنية على ضرورة توافرها حتى تتحقق المواطنة ومنها الانتماء، وهو الشعور الداخلي الذي يجعل المواطن يعمل بحماس وإخلاص للارتقاء بوطنه والدفاع عنه. ومن مقتضيات الانتماء أن يفتخر الفرد بوطنه وأن يدافع عنه ويحرص على سلامته واستقراره. والمكون الآخر لمفهوم المواطنة هو منظومة الحقوق والواجبات ومنها ضمان الحريات الشخصية، مثل حرية التملك وحرية العمل وحرية الاعتقاد وحرية الرأي... وكذلك ضمان العدل والمساواة وتوفير الحياة الكريمة والخدمات الأساسية من صحة وتعليم. كما أنه حسب الفلسفة السياسية المعاصرة فإن المواطنة في شكلها الأكثر اكتمالاً هي "الانتماء إلى الوطن"، وهي كذلك التوازن بين الحقوق والواجبات. فإذا كانت "المواطنة" تعطي المواطن الحقوق المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والقانونية... إلخ، فإنها بالمقابل تضع على عاتقه مجموعة من الواجبات القانونية، والالتزامات المعنوية، كما تفرض عليه الولاء التام للوطن. أما ما ينظم كل ذلك ويحميه فهو القانون. والملفت أنه في المعاجم العربية التقليدية كلها لا يوجد أي ذكر لكلمة "المواطن" أو "المواطَنَة"، لكن توجد كلمات مثل: وطن، توطن، واطن، الوطن، موطن... وتعبير المواطن "اختراع" إنساني عظيم بل قد يكن من أهم اختراعات البشرية في القرون الأخيرة. فالمواطن هو الفرد البشري الذي يحكمه القانون، والذي ينسلخ من كل شيء غير التزاماته الوطنية، فالمواطنون أمام القانون متساوون لا يفرق بينهم لا دينهم ولا مستوى تعليمهم ولا جنسهم ولا انتماءاتهم القبلية أو السياسية ولا خلفياتهم الثقافية ولا أشكالهم ولا ألوانهم ولا أصولهم وعرقياتهم ولا أي شيء آخر، فهم أفراد متساوون في الحقوق والواجبات يحكمهم القانون. هذا ما نجحت فيه دولة الإمارات بامتياز وبتميز ملفت للنظر، فقد بقي المواطن الإماراتي يشعر بانتمائه لدولة الإمارات وولائه لقيادتها بحكم وطنيته... لذا نجد أن الجميع، سواء المقيمين أو الزائرين أو جيران الإمارات، قد أحبوها وأهلها واحترموهم. لا يفكر المواطن الإماراتي عندما يريد التعريف بنفسه أو تحديد هويته، هل هو سني أم شيعي... متدين أم غير متدين... متعلم أم لم يكمل تعليمه... من هذه الإمارة أم تلك... من أهل البدو أم أهل البحر... من أسرة ثرية أو أخرى فقيرة... بل بقي الإنسان الإماراتي ينظر إلى نفسه ويعّرف بها على أنه مواطن إماراتي... إماراتي وبس… إماراتي ويفتخر... وكل الأشياء الأخرى تأتي بعد هذا. لقد بقي الشعور بالوطنية أمراً في غاية الأهمية وكان يفعل مفعول السحر في الإنسان هنا، وكان المحفز الرئيسي للبناء والتنمية والتطور الذي نعيشه اليوم. لقد ضرب كثير من المواطنين أروع الأمثلة في البذل والعطاء وإنكار الذات، وفي أحيان كثيرة في التنازل عن حقوق وامتيازات شخصية من أجل الوطن، حُباً وليس منّة، ودون أن يعرف أحد بذلك ودون أن ينتظروا شيئاً من ورائه، فقط من أجل هذه الأرض. لقد كان حب الإماراتيين لوطنهم حباً نقياً صافياً صادقاً، حباً ينير قلوبهم ويسمو بأرواحهم ويرضي ضمائرهم... حباً بلا مقابل وبلا ثمن، إنه الحب المسموح والمطلوب وليس "الحب الممنوع" الذي يعيشه البعض اليوم! البعض يعتقد أن الوضع تغير اليوم، لذا يجب أن نتساءل: هل مرت فكرة "المواطنة" بخلل في السنوات الماضية لدى بعض المواطنين؟ هل يواجه "المواطنون" وضعاً مختلفاً عما كان عليه في الماضي؟ هذا ما نحتاج أن نفكر فيه في هذه المرحلة، ونصل إلى الإجابة الواضحة والصادقة عليه، ويجب أن نضع النقاط على الحروف لنزيل أي لبس أو نتخلص من أي خلل.