قبل أسابيع وقف الإيرانيون جميعاً داخل إيران في أصقاع الدنيا جميعها في ساعة واحدة، كلهم نشوة وفرح بفوز الفيلم الإيراني "الانفصال" بجائزة الأوسكار عن أفضل فيلم أجنبي في مهرجان هوليود السينمائي، الذي تنظمه الأكاديمية الأميركية للسينما. كان ذلك هو الفوز الأصعب في تاريخ الجمهورية الإسلامية الحديث، لأنه قام على معايير المنافسة والإبداع وله طعم النجاح ونشوة التألق. كانت حرباً شرسة مع دول عالمية، وكان طموح الجميع هو الانتصار والقبض على "الأوسكار". هذه معركة تدخل صاحبها وبلدها التاريخ، تنقش اسمه بالذهب، فالفنان الإيراني المبدع "أصغر فرهادي" عندما صعد إلى منصة النجومية وصفق له العالم على عمله الذي فاز بجائزة أفضل فيلم أجنبي، قال لهم بلغته الفارسية "إن اسم إيران ينطق هنا من خلال ثقافتها المجيدة، وهي ثقافة غنية عريقة طمرت تحت غبار السياسة الثقيل". ليلة حصول فيلم "الانفصال" على الأوسكار، حرمَت إيران من النوم، سهرت بفرح ولهفة الفوز ونسيت للحظة الخوف من الآتي، شبح الأعداء الذين قد يشعلون النار ورائحة الموت في المكان، تناسوا رعبهم من دمار الحرب التي تدق حكومتهم طبولها اليوم، والذين هم أعرف الشعوب بقسوتها ومرارة حصادها، لقد عانوا ويلاتها زمناً وما يزالون. المعركة الجديدة التي يبشرهم بها النظام قد تستعر ولا يعرف موعدها ولا طرفها الآخر لكنها قد تقوم في أية ليلة أو أي صباح، وقد تكون القاصمة التي لا تبقي ولا تذر إذا وصلت إلى مفاعلاتهم النووية! حتى الحكومة التي كانت قبل لحظة الأوسكار تحارب السينما وتضيق الخناق على فرهادي ورفاقه، استغلت الفرصة فدخل إعلامها الرسمي على الخط ليبارك للشعب، ويحاول أن يجير هذا النجاح لصالح النظام، عندما وصف الفوز بأنه "انتصار على إسرائيل" كناية عن منافستها في المسابقة وخروجها مهزومة من قبل إيران. أذاعت محطاتها الرسمية الخبر، هذه المرة اعترفت بالسينما ونجومها، واحتفت بهم كأبطال. وقصة السينما الإيرانية هي مثل كل شيء جميل في هذه الحضارة الجارة العريقة، ماضيه غني، لكن حاضره مزر وبائس، فالسينما دخلت إلى هذا البلد وازدهرت فيه في بدايات القرن التاسع عشر، وهي فترة مبكرة لم تسمع فيها المنطقة المحيطة بمفهوم السينما بعد. أدخلتها وأتقنت بسرعة وقوة صناعة الأفلام والنجوم، بدأت تأخذ طريقها إلى العالمية، وكان يمكنها أن تكون قطباً ينافس "هوليود" أو حتى "بليود"، لولا تقلبات السياسة وقبضة التشدد التي حاربت هذه الحرفة وضيقت على روادها، فأحرقت دور السينما في مرحلة، وأعدمت ذلك المجد، وقررت تصفية أهل هذه الصنعة بنفيهم أو مصادرة تقنياتهم ومنعهم من التمثيل أو شراء وتسويق بضاعتهم. لكن إرادة الإبداع عند الفنان الإيراني ظلت قوية وعنيدة، فظل يحلم رغم فقر الإمكانات وضراوة الحرب عليه وظلم ذوي القربى له. هذه الإرادة هي التي أوصلته إلى الأوسكار وهي التي جعلت العالم يصفق له، وجعلت حكومته التي تطارده وتحاربه بالأمس تفتخر به وتجد أنه حقق لها معجزة بتغلبه على العدو الصهيوني. روح الإبداع هذه تجدها في مختلف جوانب حياة هذا الشعب، فهو وريث إمبراطورية فرضت بصمة الفن والجمال في التاريخ الإنساني، حضارة تسيّدت وأبدعت وألهمت وأضافت في مختلف مراحل تاريخ البشرية، وفي عصور دول الإسلام المختلفة غذت فارس الأمة بأسماء شهيرة من القادة والأدباء والمؤرخين والعلماء، ولا تزال فيها مدن وآثار ورموز خالدة لها صيت وصدى في ذاكرة تاريخ مجد الإسلام وحضاراته المتعاقبة. واليوم، عندما نتحدث عن الرسوم والتصاوير وفن الموزاييك، نتذكر القاشان الذي ينسب إلى مدينة "كاشان" الإيرانية، وروعة المنمنمات ودقة النقوش في فنونهم وتصاميمهم وألوانهم، نستحضر اسم إيران وتقفز صورة السجاد العجمي الذي غزا العالم طوال أحقاب مغرقة في البعد الزماني أو حتى المكاني، والذي شهد له بأنه أغلى وأجمل سجاد عرفه التاريخ، إنها كذلك في "الخط الفارسي" الذي نستخدمه في لغتنا العربية ويعد آية في الفن والجمال وأناقة الكتابة والرسومات الزخرفية. كذلك إبداع تلك الحضارة في مجالات الترجمة والنقل، وفي عوالم الأدب والشعر والعلوم، لا تغيب عن البال رباعيات عمر الخيام التي لا نزال حتى اليوم نستكشفها ونعيد قراءتها وتذوقها، كذلك في روائع حافظ وسعدي الشيرازي، وإلى الفردوسي وملحمة الملوك "الشهنامة" التي ألهمت أجيالاً وثقافات مختلفة. إنها أيضاً في فن الطهي الإيراني الذي تأثرت به حضارات وشعوب، وفرض عليها -عن رغبة وانجذاب- رائحة "الزعفران" ونكهة ماء الورد وطعم الفستق الإيراني وترف الكافيار واستراحة الشاي الإيراني. وهي اليوم في نغم الغناء الذي يغرّد بعيداً، هوى" كوكوش" التي إذا غنّت ذاب الشعب وجداً وهياماً، وهاجر خلفها، يتبع صوتها إلى أي بقعة في هذا العالم، نجمتهم صاحبة الصوت الساحر التي يلهم أطياف هذا المجتمع عن بعد، مكتوب عليها منذ سنوات طويلة أن تبقى خارج وطنها ممنوعة من دخوله. لو أن إيران اليوم التفتت إلى صناعة السياحة، والآثار وسعت إلى استثمار مجد الحضارات العظيمة التي قامت على أراضيها لنافست واستقطبت سياح العالم نحوها، ففيها هذا التنوع المناخي، والمواسم الأربعة التي تحضر معاً في شتى بقاعها على مدار العام. عندها مدينة مثل أصفهان التي ذهب اسمها في التاريخ من أن "أصفهان نصف العالم"، وفيها جنة الدنيا "شيراز" بلاد الجمال والشعراء أو "نيسابور" التي قال عنها ياقوت الحموي: "بلاد الدنيا العظام ثلاثة: نيسابور لأنها باب الشرق..."، وتبقى لها في أذهاننا جميعاً تلك الصورة الشعرية الآسرة التي رسمها شاعرنا العربي المتنبي في رائعته التي يرددها الزمن "مغاني الشعب طيب في المغاني" عن سحر الطبيعة في "شعب بوان". لو أنها انشغلت بالتعمير وتجارة تصدير الثروات المعدنية أو الحيوانية، وانتبهت إلى نعمة أراضيها الزراعية ومحيطاتها البحرية. لو أنها تخلّت عن حروب طواحين الهواء، عن هذه الفقاعات التي تثيرها كل حين، عن هذه المماحكات والشعارات الزائفة التي ترفعها وتطبّل لها، لو تخلّت عن هتافات تصدير الثورة، وغيّرت طريقة لبس "العمائم السوداء" لتكون أكثر اتساعاً، وتسامحاً وتقارباً ومحبة، لآلفت القلوب نحو دين واحد يجمعنا معاً، لو توقفت عن صناعة الأعداء، وإثارة المشكلات، وراعت حسن الجوار بدل زرع الفرقة ونشر الفتن... لو تخلت عن كل ذلك، وفتحت قلبها لاحتضنها العالم وقدّر مكانتها، وازدهرت ونمت، وعاد لها نجمها الذي أفل. إنها بلد له إرث غني، وعنده ثروات يندر أن تجتمع معاً في مكان واحد، وأهم هذه الثروات هو الإنسان الإيراني المبدع.