قيل الكثير عن موقف روسيا من الأزمة السورية. أصبح جلياً، بلا مواربة أنها مع النظام وضد الشعب. لكن، ماذا عن الموقف الأميركي؟ هو مختلف، بلا شك، أقله على المستوى المبدئي ضد النظام، بدليل العقوبات التي فرضت عليه والضغوط المتصاعدة عليه، إلا أن العجز عن تفعيل مجلس الأمن في تحرك دولي أدى عملياً إلى "النتيجة الروسية" ذاتها، أي إلى تركه يتصرف بدمويته التي لا يزال يثبتها يومياً. الفارق مع أزمتي مصر وتونس، وحتى أزمة اليمن، أن لواشنطن مصالح في تلك البلدان، والمصالح تعني نفوذاً ومداخل على تلك الأنظمة أمكن استخدامها لممارسة الضغوط. أما سوريا، فكانت دائماً مساحة صعبة بالنسبة إلى الأميركيين. فالنظام حاول تقريبهم لكنهم لم يكونوا ناجحين في إدارة الانفتاح عليه، واستعصى تجسير الهوة بين شروط الطرفين. استنبطت واشنطن قانوناً لـ"محاسبة سوريا" ما فتئ الرئيس يجدده روتينياً كل سنة، ولائحة "المحاسبة" طويلة: تسريب الإرهابيين إلى العراق، التدخل في لبنان، إيواء الفصائل الفلسطينية الرافضة السلام مع إسرائيل، لكن أهم ما فيها دعم "حزب الله" والتحالف مع إيران. في خطاب خصص للتحولات في العالم العربي، منتصف مايو، 2011، وضع باراك أوباما الاحتجاجات السورية في سياق "الربيع العربي، وقال إن على النظام أن يطرح الإصلاحات ويقودها وإلا فعليه أن يتنحى". بعد ستة أسابيع أعلن الرئيس السوري، من جامعة دمشق، عناوين مبهمة للإصلاح، وأشار إلى لجنة للإشراف على "حوار وطني". كانت مضت ثلاثة أشهر على الأزمة، وكانت أنقرة لا تزال تحاور النظام، بل كان هناك اعتقاد بأن حلاً سياسياً لا يزال ممكناً، رغم أن الشارع كان قد أطلق صيحته بـ"إسقاط النظام" بعدما ارتكب الكثير من القتل والتنكيل ضد احتجاجات كانت وقتئذ سلمية. بعد نحو شهرين، انقطع عملياً الحوار التركي- السوري، وبالتالي خسرت واشنطن قناة اتصال ولو غير مباشرة مع الأزمة. لم يبدأ الحوار، واندفع "الحل الأمني" إلى اجتياح المدن بدءاً بحماة، مطلع شهر رمضان، وعندئذ صار أوباما يقول: "على الرئيس السوري أن يتنحى". وعشية مرور عام على الانتفاضة الشعبية أصبح أن النظام "أيامه معدودة"، من دون أن يعني ذلك تغييراً في الموقف الأميركي. واقعياً ظل تأثير واشنطن في الأزمة محدوداً، عزي ذلك إلى "مبدأ أوباما" الذي يستبعد التدخل، ولا يزال منشغلاً بتداعيات حربي العراق وأفغانستان. قيل أيضاً إن إسرائيل عارضت بشدة أي تدخل في سوريا قبل اتضاح البديل من النظام، وهو ما يتبناه جناح في إدارة أوباما. وعندما دخلت روسيا على خط الأزمة، في يوليو، وتوصلت إلى تفاهم مع النظام أوائل سبتمبر الماضي، اتجه الأميركيون إلى العمل من خلال هذه القناة. تعددت اللقاءات والتشاورات، الروسية - الأميركية، إلا أنها لم تتوصل إلى مخارج، أو إلى "صفقة". صممت موسكو على عدم السماح بتكرار "السيناريو الليبي"، ولم تجد واشنطن ضرورة لتقديم تنازلات لتغيير الموقف الروسي. حاججت واشنطن بأن النظام لم يعد يستطيع البقاء حتى لو تمكن من الاستمرار لبعض الوقت، وإذا كان لدى روسيا نفوذ عليه فلتستخدمه أولاً لـ"وقف العنف" ثم لـ"نقل السلطة". وجسَّت موسكو نبض النظام في إمكان اقتباس "السيناريو اليمني" الذي طرحته المبادرة الخليجية وانطوى على نقل الرئيس صلاحياته إلى نائبه، لكن دمشق أحبطت الفكرة. وعندما أعادت الجامعة العربية هذا السيناريو إلى الواجهة تصرفت موسكو وكأنها سحبته من التداول، بل أبدت إصراراً على أن يكون أي حل سياسي مستنداً إلى وجود هذا النظام، وقد ثبّتت موقفها هذا بـ"فيتو" ثم بآخر، ما دفع "أصدقاء سوريا" إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم إلى مؤتمر أول في تونس لبلورة "تحالف" خارج مظلة الأمم المتحدة. دعمت واشنطن هذين التحركين، كما دعمت قرارات الجامعة العربية، لكنها ومختلف عواصم الغرب الحليفة، لم تحدد أي خيارات عملية، وبالتالي بقي هدف "حماية المدنيين" مجرد شعار غير قابل للتطبيق. وتذرع "الأصدقاء" بعدم تماسك المعارضة السورية وعجزها عن تقديم "بديل" واضح من النظام. وذهبت وزيرة الخارجية الأميركية أبعد عندما رفضت احتمال "تسليح المعارضة" بحجة أن السلاح قد يصل إلى "حماس" و"القاعدة"... مع بدء المبعوث "الدولي - العربي" كوفي عنان وساطته مع النظام السوري، كان الأخير كثف اجتياحاته لتأكيد سيطرته، وهو ما قدمت الأجهزة الأميركية تزكية له، بل إن مناقشات العسكريين الأميركيين أفضت إلى استنتاج أن التدخل قد يشعل نزاعات في الدول المجاورة، وفي ذلك صدى لتحذيرات أطلقها الرئيس السوري قبل بضعة شهور. لذا تركز واشنطن حالياً على خطّين: تشديد العقوبات لإحراز نتائج ولو متأخرة، واعتبار مهمة عنان فرصة أخيرة للتوصل إلى حل سياسي. لكن الجميع يعرف أن هذا النظام هو تحديداً عبارة عن جهاز أمني، أي أنه لا يستطيع بلورة حل سياسي حقيقي تنحسر معه وطأة ذلك الجهاز ليتمكن المدنيون من العمل بعيداً عن التهديدات بتصفيتهم جسدياً.