مما لا شك فيه أن المذبحة التي ارتكبها رقيب في الجيش الأميركي في إقليم قندهار جنوب أفغانستان في الحادي عشر من مارس الجاري هي من صنع شخص واحد، وليس المؤسسة العسكرية الأميركية. فأن يخرج جندي من قاعدته العسكرية ليقتل على نحو عشوائي ستة عشر شخصاً، من بينهم تسعة أطفال وثلاث نساء، والتسبب في مثل هذا العدد من الجرحى خارج إطار عملية عسكرية منظمة هو عمل خطير وغير مسبوق. ذلك أن الأمر لا يتعلق بمعارك نحت منحى سيئاً، بل بجريمة قتل ارتُكبت بدم بارد، جريمة عبَّر المسؤولون الأميركيون عن تنديدهم بها وقدموا اعتذاراتهم للجانب الأفغاني عنها، غير أن هذا العمل ليس حالة معزولة، حيث رأينا خلال الآونة الأخيرة جنوداً أميركيين يتبولون على جثث أعضاء من "طالبان" قُتلوا في المعركة، وهو عمل شائن وشنيع. كما رأينا كذلك قيام جنود أميركيين بإحراق نسخ من القرآن الكريم، وهو الأمر الذي أثار موجة غضب عارم عبر أرجاء البلاد، هذا إضافة إلى عمليات قصف متكررة للسكان المدنيين عن طريق الخطأ تسفر بشكل دوري عن سقوط عدد من القتلى الأبرياء. لكن كيف لنا أن نفسر قدرة هذا الرقيب على القيام بما قام به بكل حرية؟ لا بد هنا من إعادة النظر إلى ما قام به هذا الجندي في سياق عام وطرح بعض الأسئلة التي تفرض نفسها بقوة: ألم يكن هناك جو أو خطاب معين يصل إلى جزء من الجنود؟ وما هي النظرة التي يحملها الجنود الأميركيون تجاه الأفغان؟ وماذا قيل لهم عن هذا الشعب، عن المسلمين، عن الإسلام،... إلخ؟ ومن أي منبع أيديولوجي ينهلون؟ ألم يساهم الإفراط في تصوير "طالبان" على أنهم متوحشون والأفغان على أنهم متواطئون إلى حد كبير مع "طالبان"، في خلق جو يمكن أن يدفع شخصاً إلى القيام بمثل هذا العمل المتطرف؟ هناك بدون شك خليط من الخوف، ورفض الآخرين، والكراهية أفضى إلى هذا العنف الأعمى، نوع من التكييف النفسي الذي يرقى في نهاية المطاف إلى نفي صفة الإنسانية عن الآخرين ويؤدي في النهاية إلى انحرافات خطيرة. لقد ذهب الغربيون إلى أفغانستان من أجل الدفاع عن السكان وحمايتهم مما تقوم به "طالبان" من تجاوزات في حقهم، فانتهى بهم الأمر إلى ارتكاب مذابح. ولذلك، فيمكن القول إن "طالبان" لا يسعها، والحالة هذه، إلا أن تبتهج لمثل هذه الأخطاء التي تقوي شعبيتها وتولد بالمقابل كراهية لدى الأفغان تجاه الغربيين. والواقع أن اغتيال جنود غربيين على أيدي عسكريين أفغان في وقت كان يفترض فيه أن يقاتلوا جنباً إلى جنب ليس سوى مثال واحد على جدار عدم الفهم الذي يقف بينهم. ونتيجة لذلك، بات العسكريون الغربيون والعسكريون الأفغان يعيشون اليوم منفصلين عن بعضهم البعض على نحو متزايد. فلم يعودوا رفاق سلاح، لأنهم يعيشون في عزلة لا تكشف عن اسمها، يعتبرها الأفغان مُحطة من قدرهم وممتهنة لكرامتهم، هم الذين يُنظر إليهم بريبة وتوجس ويعامَلون بحذر وارتياب. غير أن العسكريين الغربيين، بالمقابل، لا يسعون سوى إلى حماية أنفسهم لأنهم يخافون من اندساس عناصر من "طالبان" في صفوف القوات الأفغانية. وبالتالي، فإن الأمر يتعلق بحلقة مفرغة مثالية! وعلاوة على ذلك، فإن الجنود الغربيين ليس لديهم أي اتصال مباشر مع السكان، لأنهم يعيشون منعزلين في قواعدهم. وفي مثل هذه الظروف، يمكن القول إن وجودهم، ربما لم يعد له أهمية، لأنهم لن يستطيعوا أبداً استعادة ثقة السكان الأفغان. والحال أن حرباً ضد حركة تمرد –أعداد قوات "الناتو" التي سُخرت لخوضها غير كافية إلى حد كبير حتى تأمل تحقيق الانتصار فيها- لا يمكن الفوز فيها من دون أن تكون ثمة روابط بين السكان المدنيين وجيش الاحتلال، والحال أن الروابط الوحيدة الموجودة هي روابط الحذر، والعداء، والكراهية على نحو متزايد. ويمكن القول اليوم إن الأوان قد فات حتى يستطيع الغربيون تغيير هذا الوضع. ولذلك، فلا بد من الانسحاب، بالطريقة الأكثر تنظيماً قدر الإمكان، ولكن بأسرع وقت ممكن لأن عدد الأخطاء والأعمال الانتقامية يمكن أن يتضاعف. إن عدد الهجمات التي ستشنها"طالبان"وبعض قطاعات قوات الأمن الأفغانية ضد الجنود الغربيين سيتضاعف من دون شك، وهو ما من شأنه أن يزيد من مشاعر الارتياب والتوجس بين قوات "الناتو" تجاه القوات الأفغانية، ومن عداء عام تجاه الأفغان. إنه وضع صعب من المستحيل الخروج منه حيث العسكريون ليسوا الوحيدين الذين تحولوا إلى أهداف، وإنما كل الغربيين والدبلوماسيين والعاملين في المنظمات غير الحكومية... يالها من خسارة كبيرة!