تختلف الرؤى حول مصير نظام الأسد وقائده بشار، فحين ترى دول الخليج ومعها كثير من الدول العربية والإقليمية والغربية وكثير من دول العالم أنّه نظام في طريقه إلى الزوال لم تزل روسيا والصين تصرّان على أنّه باق وتستمرّان في طرح المخارج له عبر مبادرات ومشاريع وخطط ليس لها من النجاح إلا منحه مزيداً من الوقت. في الرؤية الأولى صرّح الرئيس التركي في وقت سابق بأنّ "الأسد سيدفع ثمن هذا العنف فيما بعد، وإراقة الدماء في المدن لن تمرّ دون حساب"، فيما اعتبر أوباما بأنّ سقوط الأسد "مسألة وقت". وفي الرؤية الثانية فإنّ التصريحات الروسية والصينية لم تصل لهذا الحدّ من الوضوح أمّا الإيرانية فهي تزايد على تصريحات النظام الأسدي نفسه. لم يزل النظام الأسدي يتبع ما يمكن تسميته باستراتيجية الأكاذيب، فهو يكذب ويكرّر الكذب، ولا يعبأ بأنّ أحداً لا يصدّقه في ذلك، فهو قبل بداية الأحداث كذب كذبةً وصدّقها وذلك حين خرج بشار بعد الاحتجاجات العربية في تونس ومصر وليبيا ليقول إنّ بلاده محصّنة ضدّ مثل هذه الاحتجاجات مستنداً لكذبةٍ أقدم هي أنّ سوريا دولة "ممانعة"، ثم في بداية الأحداث استمرّ يكذب ويقول بأنّ سوريا مستقرة ولم يحدث فيها شيء، ثم لمّا تصاعدت الأحداث وعلم بها العالم أجمع فتّش عن كذبةٍ أخرى فخرج بالجماعات الإرهابية تلك التي اختلقها حتى قبل أن يخرج الجيش السوري الحرّ على المشهد، ثمّ حين لم يصدّقه أحدٌ انتقل لأكذوبة "المؤامرة" وهو يعلم أنّه يستند فيها لخطابٍ طويل الذيل في الخطابات القومية واليسارية والإسلاموية العربية، وهكذا فكلما استنفذت أكذوبةٌ دورها لم يلجأ لتصحيحها بل انتقل مباشرةً للتي تليها. تستخدم الدول الأكاذيب والشائعات في صراعاتها لتحقيق مصالحها والإضرار بخصومها، ولكنّ ما يفعله الأسد لا يدخل في هذا الإطار، فهو لا يكذب لمصلحة دولته بل يكذب ليستطيع الاستمرار في قتل شعبه، وكمثال في هذا السياق فإن صدّام حسين حين كان رئيساً للعراق –ورغم كل جرائمه- كذب بشأن حصوله على الأسلحة الكيماوية وكان يشيع هذا ويدعمه، وكانت عينه على العدوّ الإيراني بمعنى أنّه كذب ليحمي بلاده من عدو خارجي متربص بينما نظام بشار يفعل النقيض تماماً، فهو يكذب ليحمي نفسه وليغطي على فتكه بشعبه وليحمي المصالح الإيرانية في المنطقة. ضمن هذه الاستراتيجية تأتي تصريحات الرئيس السوري بأنّه منذ بداية الأزمة في سوريا وهو مع الحلّ السياسي لا الحلّ الأمني، ثمّ خرج وزير خارجيته وليد المعلّم لاحقاً ليقول إنّ الشعب السوري يرى أنّ الحلّ الأمني هو أنجع الحلول ويطالب به، ومثلها وأكذوبة أنّه رئيس أتى به الشعب السوري تلك التي طوّرها لأكذوبة الاستفتاء على دستور جديد، وكذلك أكذوبة الطائرات بدون طيار التي زعم أن المعارضة تمتلكها، ولو كانت تمتلك مثلها لما كان في قصره في دمشق حتى الآن. أحسب أنّه ينبغي على الدول الصديقة للشعب السوري أن تصنع الكثير قبل انعقاد مؤتمرها الثاني في تركيا، وأن تخرج بمواقف تبتعد عن اللغة التي تكتفي بالشجب والاستنكار إلى لغة الحسم مع النظام، فسياسياً يمكن أن يكون في إغلاق الدول سفاراتها في سوريا وطرد السفارات الأسدية من بلدانها بشكل جماعي كما صنعت بعض دول الخليج خطوة بالاتجاه الصحيح على أن يتمّ معها الانتقال للاعتراف بالمجلس الوطني السوري ممثلاً شرعياً للشعب السوري، كما يمكن تصعيد العقوبات الدولية لتكون أكثر قوةً وأسرع تأثيراً. إنّ العقوبات الدولية ليست مجرّد إجراء ورقي ولكنّها شديدة الفعالية والتأثير، وثمة نماذج عربية ثلاثة لتأثير هذه العقوبات في العراق والسودان وليبيا، ففي العراق الذي كان قوياً مكيناً، أدت العقوبات الدولية لضعف النظام واهترائه منذ عام 90 حتى سقوطه كورقة خريفٍ ذابلةٍ في 2003 ورأى الجميع كيف أن النظام الذي صمد في وجه إيران لسنوات ثمان وأرغمها على قبول الصلح وتجرع السمّ، تهاوى في أسابيع قليلةٍ رغم كل قسوته الداخلية وتجبّره على شعبه. ونموذج آخر في السودان، ونظام البشير القويّ، حيث أودت به العقوبات الدولية وتهديد شخص الرئيس وأتباعه بالمحاكمة الدولية إلى رضوخ النظام لتقسيم السودان كرهاً، وفي ليبيا قبل الاحتجاجات وقبل "الناتو" أدت العقوبات الدولية إلى تخلّيها بالكامل عن مشروعها النووي وحدّت من قدرتها على التدخلات الإجرامية حول العالم. في جهدٍ بحثيٍ توثيقي جديرٍ بالاحترام والإشادة قامت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في لندن وبالتعاون مع أكثر من 100 كيانٍ ثوري وتنسيقي بإصدار وبمشاركة أكثر من 2000 شخصٍ على الأرض بإصدار تقرير إحصائيٍ مفصلٍ عن عامٍ كاملٍ على الثورة في سوريا، وخلص التقرير الذي نشرته "العربية نت" إلى أنّ عدد القتلى بلغ 10130 منهم 676 طفلاً و 541 امرأةً و 368 تحت التعذيب. لقد كان التقرير مفصلاً بأسماء القتلى وأماكن قتلهم وأعمارهم والصور ومقاطع الفيديو التي توثق قتل كل واحدٍ منهم حسب ما توفّر لها، واعتمد آليةً توثيقيةً صعّبت من مهمّته ولكنّها منحته مصداقيةً أكبر حيث لم يدرج فيه سوى من توفّر لإثبات قتله شخصين مختلفين لا يعرفان بعضهما، وبعيداً عن أكذوبة المؤامرة التي يروّج لها النظام، فإنّ مثل هذه الأرقام المهولة من القتلى تحت آلة الحرب الوحشية لجيش النظام وقواته الأمنية وشبيحته يجب أن تكون لها ردة فعلٍ مسلّحةٍ، فالناس حين تتعرض لهذا الحجم من القتل المنهجي ستلجأ بحكم الطبيعة للدفاع عن نفسها بكل ما هو متاح لديها، وينبغي على النظام ألا يستغرب ظهور السلاح في أيدي الشعب فيداه أوكتا وفوه نفخ. في الرسائل المسرّبة لإيميل بشار الأسد، والذي تبث قناة "العربية الحدث" مقاطع مطوّلةٍ منها يظهر الرئيس السوري مسؤولاً مسؤوليةً مباشرةً عن حجم القتل للشعب السوري من جهة وعن إدارة المعركة سياسياً وأمنياً وإعلامياً من جهة أخرى، بمعنى أنّه متورّط بشكلٍ شخصيٍ في كل ما يجري وليس صحيحاً على الإطلاق ما يشيعه البعض بحسن نية أو سوئها من أنّ ثمة دائرة حكم مصغرة هي التي تسيّر البلاد. شيء مثير للأسى حجم التشتت في المعارضة السورية في الخارج، فبدلاً من محاولة التوحّد والاجتماع نجد الأمور تتجه للتشتت والتشرذم وهو أمر مرتبط بطبيعة المعارضة السورية والتئامها السريع بعد طول خمول وافتراق غير أنّ أصدقاء الشعب السوري قادرون لو أرادوا على دفع المعارضة لمزيد من التوحّد حتى يصبح عملها في الخارج مقارباً لما يفعله الشعب السوري على الأرض في الداخل. حبل الكذب قصير، وإن سعى نظام الأسد لتطويله بدعمٍ إيراني روسي صيني إلا أنّه أصبح تحت أضواء الإعلام والصور ومقاطع الفيديو منشوراً معلناً كحبل غسيلٍ.