يشير مصطلح عوامل الخطر من المنظور الطبي إلى مجموعة العوامل والظروف المتغيرة، والمرتبطة بزيادة احتمالات الإصابة بمرض ما. وأحياناً ما يستخدم مصطلح محددات الصحة للإشارة إلى العوامل التي قد تخفض أو قد تزيد من تلك الاحتمالات، فعلى سبيل المثال تعتبر زيادة الوزن والسمنة من عوامل الخطر خلف الإصابة بداء السكري، بينما تعتبر ممارسة النشاط البدني أو الرياضي من محددات الإصابة بأمراض شرايين القلب، حيث تزداد احتمالات الإصابة بهذه الأمراض مع انخفاض حجم النشاط البدني، وتنخفض مع ازدياد حجمه. وتأخذ العلاقة بين عوامل الخطر والمحددات الصحية وبين الأمراض والعلل شكلًا ارتباطيّاً، وليس بالضرورة شكلاً سببيّاً. فعلى سبيل المثال، لا يمكن القول إن صغر السن يسبب الإصابة بالحصبة على رغم أن الأطفال وصغار السن يصابون بالحصبة بمعدلات أكبر بكثير من كبار السن والبالغين نتيجة لعدم تكون مناعة كاملة ضد الفيروس لدى صغار السن. بمعنى أن الحصبة ترتبط إلى حد كبير بالسن، دون أن تكون العلاقة بينهما سببية حيث لا يسبب صغر السن في حد ذاته الإصابة بالحصبة. ومن الممكن من خلال الاعتماد على الدراسات الإحصائية تقدير قوة العلاقة الارتباطية بين عامل الخطر وبين المرض، بدرجة يصبح معها عامل الخطر مسبباً رئيسيّاً للمرض، حيث تظهر مثلاً الإحصائيات مدى قوة ارتباط التدخين بالإصابة بسرطان الرئة، بدرجة تجعل التدخين سبباً أساسيّاً ومباشراً للإصابة بسرطان الرئة. ويشكل السن، والجنس، والعرق، المحددات الأساسية للحالة الصحية، التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على احتمالات الإصابة بالأمراض، بالإضافة إلى عوامل أخرى متغيرة، مثل الوضع الاجتماعي، والدخل المالي، والموقع الجغرافي، والاستعداد الوراثي، والوظيفة أو المهنة، والميول الجنسية، ومستوى التوتر المزمن، ونوعية الغذاء، وحجم ونوعية النشاط البدني، وشرب الكحوليات، والتدخين، وغيرها من العوامل الاجتماعية المحددة للحالة الصحية. ولذا على رغم أن معدلات الإصابة بالعديد من الأمراض تختلف تبعاً للعوامل البيولوجية الحيوية، والصفات الوراثية، إلا أنه كثيراً ما تشهد هذه المعدلات تبايناً وتباعداً شديداً بين المجموعات العرقية، والفئات الاقتصادية، والطبقات الاجتماعية، بدرجة لا يمكن معها تفسير هذا الاختلاف الشديد في معدلات الإصابة بناء على الاختلافات البيولوجية والوراثية وحدها. بمعنى أن درجة التباين في معدلات الإصابة ببعض الأمراض بين فئات وطبقات المجتمع الواحد، لا يمكن أن تكون ناتجة عن عوامل بيولوجية أو وراثية، بل هي نتيجة اختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية. وأحد هذه الظروف التي أصبحت تلقى اهتماماً متزايداً من قبل أفراد المجتمع الطبي كمحدد للحالة الصحية هو مستوى التعليم، وبالتحديد مستوى الثقافة والوعي الصحي، بالإضافة إلى مستوى مهارات القراءة والعمليات الحسابية البسيطة. فحسب دراسة أجراها علماء جامعة "يونيفرستي كولدج لندن"، ونشرت في العدد الأخير لواحدة من الدوريات الطبية المرموقة في العالم (British Medical Journal)، ظهر أن واحداً من كل ثلاثة من الرجال فوق سن الخامسة والستين في إنجلترا يعاني من صعوبة في فهم المعلومات الصحية الأساسية، وأن أفراد هذه الطائفة العمرية- الثقافية معرضون للوفاة في غضون خمس سنوات بمعدلات أكثر من ضعف معدلات الوفيات بين أقرانهم الذين يتمتعون بمستوى أعلى من الثقافة والوعي الصحي. واكتشف القائمون على الدراسة أيضاً أن انخفاض الوعي والثقافة الصحية ارتبط إلى حد كبير بمعدلات أعلى للإصابة بالأعراض الاكتئابية، والإعاقات الحركية، بالإضافة إلى معدلات أعلى للإصابة بالأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب، والسكري، والسكتة الدماغية، والأزمة الشعبية، بينما ارتبط ارتفاع مستوى الثقافة الصحية بقدرات ذهنية أقوى، بما في ذلك القدرات البلاغية والذاكرة العملية. ويشير مصطلح الثقافة الصحية المقصود هنا، وفي أضيق حدوده، إلى قدرة الشخص على قراءة، وفهم، وتطبيق المعلومات الصحية، بدرجة كافية تمكنه من اتخاذ القرارات السليمة، واتباع التعليمات المتعلقة بالعلاج بشكل صحيح. ويتأثر بدرجة كبيرة مستوى الثقافة الصحية بسبب صعوبة القراءة، التي قد تنتج من صعوبات ذهنية أو عقلية في التعلم، أو نتيجة وجود مشاكل صحية مزمنة، أو عدم إتمام التعليم المدرسي، أو حتى التوتر الشديد الذي قد يشكل عائقاً أما التعلم في مرحلة الطفولة. ومن الممكن إدراك الكيفية التي يتسبب فيها انخفاض الثقافة الصحية، أو كون المريض شبه أمي، في مخاطر صحية جمة، وفادحة في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال، يعتبر عقار "الباراسيتامول" المستخدم لخفض الحرارة وتسكين الآلام، من أكثر العقاقير استخداماً، وأكثرها أمناً وسلامة أيضاً، ولذا يباع في جميع الصيدليات، وغالبية محال البقالة، وبدون الحاجة إلى وصفة طبية. ولكن إذا ما أخذ هذا العقار بجرعات كبيرة، نتيجة عدم فهم المريض للنشرة المرفقة، فقد يتسبب في حالة تسمم شديدة ينتج عنها فشل في الكبد. هذا بالنسبة لعقار آمن بدرجة كبيرة، ولذا فلنا أن نتخيل تبعات عدم فهم المريض لتوقيت الجرعة، أو كميتها، أو أي من التحذيرات التي تترافق مع كثير من الأدوية الأشد مفعولًا وتأثيراً. وإذا ما طبقنا السيناريو نفسه على الجوانب المختلفة للرعاية الصحية فسندرك بسهولة أن انخفاض الثقافة الصحية، أو ضعف القدرة على القراءة، أو على تنفيذ العمليات الحسابية البسيطة، يعتبر خطراً كامناً، يهدد دائماً نسبة لا يستهان بها من أفراد المجتمع.