شاركت المرأة الثائرة سافرة أو محجبة أو منقبة في ثورات الربيع العربي وكان لها حضور صارخ في قيادة التغيير بدرجات تعكس خصوصية المجتمعات، ولكن تداعيات "ثورات الربيع" تثير قلقاً مشروعاً حول فقدان المرأة لـ"مكاسب سابقة"، إذ لم تعكس نتائج الانتخابات مشاركة المرأة الفاعلة في قيادة الثورات في كل من مصر وتونس واليمن، فتراجعت حصتها في البرلمان، وفي تشكيل الحكومات الانتقالية، فغابت المرأة وغيبت في وقت تصاغ فيه الدساتير وتوضع قوانين جديدة، وهو غياب مقلق. وفجأة أصبح جسد المرأة هاجساً للتيارات والأحزاب السياسية العربية ومحرضاً للنواب الجدد لفرض قوانين وتعديل قوانين تتناسب مع رؤياهم لجسد المرأة ولحقوقها، والأخطر من كل هذا أن الوافدين الجدد سيخطون دساتير وقوانين ما بعد الحراك العربي لدولهم، وكيف تفهم دعاوى وآراء الحركات الإسلامية الهادفة لإقصاء المرأة من الفضاء العام؟ ولماذا تختزل قطاعات من النخب العلمانية قضية المرأة وحقوقها في نقطة الحق في السفور؟ كيف يصح وجود شرطة "أخلاق" في دولة علمانية؟ وكيف تنتقل سلطة ضبط المجتمع من منفذي القانون إلى أحزاب وتيارات تحاول أن تضبط لباس المرأة تغطية أو تعرية؟ وهل يعقل أن يتحدث رئيس حزب تونسي عن ضرورة "تقنين الجواري، واعتبار ذلك حقاً متاحاً للرجال المتزوجين بواحدة، وتصنيف الجارية ضمن خانة ما ملكت أيمانهم". في مصر لم تفز أي امرأة في جميع المقاعد الفردية، أما على صعيد القوائم الحزبية، فلم يتجاوز عدد الفائزات أصابع اليدين، حتى أن حزب "النور" وضع وردة حمراء بدلاً من صور مرشحاته لعضوية مجلس الشعب المصري. أما في تونس حيث تعيد حركة "النهضة" تشكيل المشهد السياسي والاجتماعي التونسي، وحيث تعيش المرأة التونسية بظل "حصانة قانونية" مستمدة من "مجلة الأحوال الشخصية" الصادرة عام 1956، تتزايد خشية المنظمات النسوية من أن تتحول حقوق المرأة إلى حبر على ورق. فحقيقة كان تصريح السيد البحري الجلاصي رئيس حزب "الانفتاح والوفاء" التونسي صادماً في مطالبته المجلس الوطني التأسيسي بأن ينص الدستور التونسي الجديد على "حق كل تونسي في اتخاذ جارية إلى جانب زوجته، والتمتع بما ملكت يمينه". وللأسف أصبح تداول أخبار تصريحات التيارات الإسلامية الوافدة للسلطة المزهوة بمكاسب انتخابية مؤقتة خبزاً يوميّاً للصحافة العربية والعالمية، وانتقلت من صفحات الأخبار إلى صفحات المنوعات والتسالي، بعد أن أصبحت المرأة هاجساً للأحزاب وغدا جسد المرأة برنامجاً انتخابيّاً. إن الديكتاتورية بمفهومها العام تعني فرض الوصاية، وصاية الفرد أم الحزب، وصاية سياسية أم اجتماعية أم فكرية، لكنها وصاية على التفكير والتعبير والممارسة، وقد اقترنت بها في بعض الدول العربية والإسلامية وصاية سلوكية على سلوك الأفراد رجالاً ونساءً، وصاية تشرف عليها "شرطة الأخلاق"، وتتقلص فيها حرية المرأة إلى حدودها الدنيا، باسم الدين وباسم العرف الاجتماعي. واليوم نحن أمام حالة استثنائية في تاريخ الشعوب العربية فالثورات التي هزت عروش الاستبداد السياسي تشرعن لاستبداد اجتماعي باسم الدين، وتحاول تقنين ممارسات اجتماعية كخفاض الإناث باسم الموروث المقدس، فتصير الحريات الشخصية وحقوق المرأة رهينة لأحزاب وتنظيمات تتفنن في ضبط جسد المرأة. يجب التأكيد على أن قضايا المرأة وحقوقها لا تتجزأ عن قضايا المجتمع والحقوق الأساسية فيه، فالمرأة العربية اليوم لن تعود إلى نقاط تجاوزتها القرن الماضي، فمعارك تحرير المرأة تجاوزها التاريخ، ومناقشة بديهيات كعمل المرأة أو الاختلاط أصبحت خارج الزمن، وعلى نساء الثورات العربية أن ترفض التقسيمات النمطية المستندة للمظهر الخارجي بين سافرة حداثية علمانية، ومحجبة ومنقبة تقليدية أو إسلامية، وهي تقسيمات سطحية لا تعكس واقع المرأة الفكري. وكذلك الاختزال المخل لأدوار المرأة وأن تناضل من أجل عدم إقصاء النساء عن دوائر صنع القرار السياسي.