يبدو أن اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم، تعبر عن تحول لم تعرفه البشرية من قبل، لأن وسائل الاتصال والإنترنت تنقل في كل لحظة تفاصيل ما يجري من أحداث ويتجدد من جرائم وعنف، ومع شبكات التواصل الاجتماعي تمكن الجميع من أن يشاركوا بأفكارهم، ويساهموا في التأثير، ويشكلوا الرأي العام، وهي لحظة فريدة من نوعها في تاريخ الحضارات والمعرفة الإنسانية، أحدثت تحولاً عميقاً اجتماعيّاً ونفسيّاً، نتجت عنه آثار سلبية عميقة أحدثت شروخاً في النفوس. يحتاج كل إنسان على الدوام إلى غذاء روحي وكهف طمأنينة، وجرعة مستدامة تساعده على احتمال متاعب الحياة وشقائها، وتمنحه الأمان. ولهذا وجدت الطقوس الروحية، واخترعت البشرية ما يساعدها على احتمال كبَد الحياة، ويخفف وطأة النكبات وفقد الأحباب، وفجائع الحروب، وبؤس الفقر والمجاعة. وما نعيشه اليوم من تحولات ضخمة، يتطلب اهتماماً كبيراً من القيادات التربوية والروحية والحكومات، فأفق الخوف والاضطراب قد يتسبب في دمار هائل في النفوس يصعب إصلاحه. والمحزن أن الغالبية الساحقة ممن هم مسؤولون عن هذه الوظيفة، قد نسوا هم أنفسهم واجبهم، وفرطوا في الأمانة، التي هي مساعدة الناس على تجاوز هذه الفتن والضغوط التي تحطمهم، فأصبح الطبيب عليلاً، والحكيم حائراً، وغدت مفاتيح الخير دهاليز للأطماع والشحناء والتكالب على الدينار والدرهم، وغدوا جزءاً من الأزمة وسماسرة من سوق الترويج، ومن عوامل التأجيج، يبحث الناس عندهم عن الطمأنينة فلا يجدونها، وعن القناعة والرضى والبساطة فتخيب ظنونهم، وعن الصدق فلا يجدونه. في كل ثقافة وحضارة نجد طبقة من المجتمع معنية بهذه المهمة الجليلة التي بقيت مقدسة ومبجلة، وفي الإسلام، اشتمل القرآن الكريم على آيات ووصايا عديدة تؤكد على أهمية هذا الغذاء، وفي سورة المدثر إشارة إلى أن المهام الكبيرة التي نتجت عن أعباء الرسالة والسبح الطويل في النهار، تتطلب غذاء روحيّاً في الليل وفي السحر لكي يقوى الرسول، صلى الله عليه وسلم، على أداء مهامه، وكما نعلن فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولكن أنى للإنسان الضعيف أن يتدثر بالصبر ما لم يكُ لهذا الصبر ما يغذيه، وللقناعة ما يرسخها، وللبساطة ما يؤكد على أنها عنوان الحياة السعيدة. كان للزهد والتصوف عبر تاريخ الإسلام دور كبير في منح الطمأنينة والعبور بالمجتمعات نحو بر الأمان، بتخفيف الآلام ومعالجة النفوس المشروخة. ويأتي في الصدارة الرضى بالمقدَّر والقناعة بما تيسَّر، ومعرفة الإنسان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. إن تاريخ الحضارات البشرية من حين عرف الإنسان الكتابة والقراءة، لم يشهد على الإطلاق مرحلة أتيحت المعلومة فيها للجميع، للسياسي والخبير والكاتب والرجل العادي وللمهمشين والمنبوذين وللفاعلين والنكرات من الطبقات المهمشة الموتورة. إنها مرحلة ساهمت الرعاع فيها والجموع الغاضبة، والشباب الثائر، في تشكيل الدول وإسقاط الأنظمة كما نراه اليوم. وهي ظاهرة لا يزال الوقت مبكراً على الحكم عليها، فالبداهة بحكم العادة المستحكمة والإرث التاريخي الضخم، تحكم بأن الدهماء هم وراء كل فوضى وانهيار وانفلات واضطراب وقلة استقرار، وهو ما نراه اليوم في عدد من الدول العربية التي شهدت اضطرابات وانهياراً وانفلاتاً، وعانت فيها الحكومات من هشاشة وضعف وعدم استقرار، ولكن ربما تكون هذه المرحلة تحولًا ضخماً تمر به المجتمعات الإنسانية إلى حقبة جديدة من التاريخ تعيد تشكيل كل شيء. ولأننا في مرحلة انتقالية فربما نكون نحن أكثر من سيعاني من تبعاتها وآثارها، فلا الذين سبقونا ولا من سيأتي بعدنا من الأجيال يمكنهم إدراك عقابيل هذه اللحظة الصعبة.