أفضت الأزمة الإيرانية المستمرة على خلفية برنامج طهران النووي إلى مواجهة جديدة بين أوباما ونتنياهو، وكانت ساحة المواجهة الرئيسية التي تنافس فيها الرجلان على عرض أفكارهما المختلفة هي لجنة العلاقة العامة الأميركية الإسرائيلية، "إيباك"، التي عقدت مؤتمرها السنوي قبل فترة قصيرة وبسط كل من الزعيمين أمام أعضائها قراءته للوضع. فإذا كان أوباما ونتنياهو قد تواجها في السابق حول كيفية تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين وسبل إنهاء الصراع الممتد في المنطقة، فإن المواجهة الثانية خلال الأسبوعين الماضيين اقتصرت على مدى إمكانية شن حرب أخرى في الشرق الأوسط، ويبدو أن معضلة السلام في المنطقة وسبل حلها كانت أكثر استعصاء من الحديث عن احتمال شن حرب على إيران لوقف برنامجها النووي بعدما تنامت الضغوط الإسرائيلية ومعها ضغوط اللوبي اليهودي في واشنطن لتقفز بتلك الأزمة الإيرانية إلى واجهة الأحداث فيما تراجع ملف السلام إلى الخلف. وفي محاولته للوصول إلى تسوية للقضية الفلسطينية سبق لأوباما أن حث رئيس الوزراء الإسرائيلي على وقف الاستيطان كخطوة أولى والتفاوض مع الفلسطينيين على أساس حدود 1967 كبداية للاتفاق حول مسائل الحدود والأمن. ولكن موقف نتنياهو المتصلب كان معروفاً إذ رفض رفضاً قاطعاً المطلبين الأميركيين، وقد شعر أوباما مع مرور الوقت بالإحراج والإهانة ليقرر في الأخير التخلي نهائيّاً عن مسعى السعي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، على الأقل خلال الفترة المتبقية من ولايته الرئاسية الحالية. وبعد هذا الاحتكاك بين الرجلين ها هما يتواجهان ثانية على ساحة الحرب على إيران. وفي الوقت الذي يقر فيه أوباما بخطورة البرنامج النووي الإيراني، ولاسيما إذا تأكد احتمال تحوله إلى أسلحة واقعية، وتهديده للأمن القومي الإسرائيلي والأميركي على حد سواء، إلا أنه ما زال يشدد أيضاً على أولوية التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. وفي المقابل سعى نتنياهو إلى وضع القضية الفلسطينية في مرتبة متدنية، مهولاً في الوقت نفسه من الخطر الإيراني على إسرائيل في حال اكتسبت طهران السلاح الفتاك. وبالنظر إلى الأهمية القصوى التي بات يكتسيها الموضوع الإيراني الذي صعد إلى الواجهة وما صاحب ذلك من تراجع أهمية السلام في الشرق الأوسط، وفي ظل تواتر الحديث عن مواجهة محتملة مع إيران من بعض الأوساط ، فلابد من الاعتراف بأن نتنياهو حقق بالفعل انتصاراً وإن كان غير كامل، غير أن هذا الانتصار لم يكن ناجزاً لأن أوباما أصر على إعطاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران والجهود الدبلوماسية المبذولة حاليّاً مزيداً من الوقت، مشدداً على ضرورة استنفاد كافة الوسائل الدبلوماسية قبل التوجه إلى خيار الحرب، كما أن الإدارة الأميركية سبق لها التأكيد على أن حيازة إيران لأسلحة نووية تعد "خطّاً أحمر" لا يمكن تجاوزه، وأن واشنطن مستعدة لمنع ذلك. أما إسرائيل فكانت تطالب الإدارة الأميركية بالهجوم على إيران الآن وليس لاحقاً لضرب أسلحتها، وأيضاً قدرتها على التخصيب وامتلاك المعرفة النووية التي قد تؤهلها، إن هي قررت، تصنيع قنبلتها. وبالإضافة إلى ذلك ضغطت إسرائيل أيضاً على الولايات المتحدة لاشتراط تعليق إيران عملية التخصيب قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهي مطالب رفضها أوباما على رغم كل الضغوط الممارسة عليه من الكونجرس والمرشحين الجمهوريين الذين يتسابقون على كسب ود اللوبي اليهودي والدعم الإسرائيلي. غير أن أوباما كان واضحاً في خطابه أمام "إيباك" عندما قاوم مطالب المعسكر الداعي للحرب، رافضاً جر بلاده إلى مواجهة مسلحة أخرى في الشرق الأوسط، ولتبديد الشكوك حول مدى التزامه بأمن إسرائيل قال إنه من أشد الأصدقاء وفاء لها، واضعاً الخطر الإيراني في سياق أوسع يتعدى الأمن الإسرائيلي إلى الأمن القومي الأميركي والدولي، دون أن ينفي احتمال اللجوء إلى القوة لوقف البرنامج النووي الإيراني كحل أخير. وقد أعلن هذا بوضوح حين قال: "إنني كقائد أعلى للقوات المسلحة أميل إلى السلام وليس إلى الحرب"، مذكراً جمهوره بأنه على رغم الوضع الاقتصادي المتأزم وأزمات الموازنة فقد حرصت إدارته على زيادة مساعداتها العسكرية لإسرائيل كل سنة، معدداً مظاهر التعاون الوثيق بين البلدين على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية وغيرها. ولكن في مقابل خطاب أوباما الرصين والمتوازن نسبيّاً الرامي إلى سحب البساط من خصومه وتحييد منتقديه المحتملين جاء خطاب نتنياهو أحادياً مركزاً فقط على الخطر الإيراني وقرع طبول الحرب دون تقديم حجج دامغة تبرر ذلك. وكان تشبيهه لتردد أوباما برفض الرئيس الأسبق روزفلت قصف خطوط السكة الحديدية لألمانيا النازية المؤدية إلى معتقل "أوشفيتز" مناورة مكشوفة جرت عليه من الانتقادات كثيراً، ليظهر حجم الديماغوجية التي استند إليها نتنياهو في تبرير دعوته للحرب إلى درجة أن الصحافة الإسرائيلية، ولاسيما صحيفة "هآرتس"، نددت بالخطاب باعتباره "فظاً ويفتقد إلى الذوق السليم". ولم تقتصر الانتقادات على الصحافة، بل امتدت إلى مسؤولين سابقين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مثل "مائير داغان"، مدير "الموساد" السابق، الذي اعتبر في لقاء مع محطة أميركية أن شن حرب على إيران ليس بالفكرة الجيدة، وأن الأمر ينطوي على مخاطر جمة، مضيفاً أن أية ضربة لن توقف جهود إيران في المجال النووي، وهو التقييم ذاته الذي تراه أيضاً المؤسسة العسكرية والاستخبارية الأميركية.