برعاية مشتركة بين مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم والمكتب الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أطلق بدبي الأربعاء الماضي تقرير المعرفة العربي للعام 2010-2011، وقد استمر إطلاق التقرير يومين حضره وناقشه ثلة من الخبراء والمفكرين من كافة أنحاء الدول العربية. وقد كان شعار التقرير الذي اعتمد دراسات ميدانية وأبحاث خبراء في مجال المعرفة والتربية "إعداد الأجيال الناشئة لمجتمع المعرفة"، وجاء التقرير دراسة لحالة وصول الأجيال العربية الشابة للمعرفة والمعلومة وأدواتها الحديثة، وكانت نتائج الدراسة سلبية لعدم وصول الجيل الناشئ للمعرفة لعدة أسباب ومعوقات أبرزها الأمية التي لا تزال نسبها مخجلة بين كثير من الشعوب العربية، وثانيها الجهل الرقمي بما يدور في مجتمع المعرفة وهو أمية جديدة تعد معياراً في قياس المعرفة والتعليم. وقد ناقش التقرير التحديات التنموية، وتنافس مسألة إعداد الشباب للولوج إلى عالم المعرفة مع أولويات حياتية ملحة مثل الفقر والبطالة، كما يطرح موضوع المعرفة قضية العلاقة بين إقامة مجتمع المعرفة وتهيئة الأجيال القادمة من ناحية ومسألة الحرية والتنمية البشرية من ناحية أخرى، فطرح مسألة مجتمع المعرفة يتعارض منطقيّاً مع أساسيات المتطلبات التنموية وأهمها نسبة الأمية المرتفعة في الدول العربية. ويطرح موضوع المسؤولية نفسه: هل إعداد النشء للمعرفة مسؤولية الدولة أم أنه مسؤولية مجتمعية؟ فعلاقة التعليم المباشرة لإعداد النشء، لا تكفي دون دور مؤسسات المجتمع المدني. وعللت نتائج الدراسات الميدانية ضعف مهارات المعرفة لدى الشباب بضعف المناهج ورداءتها، وغياب دور المؤسسات المدنية والأسرية وانعدام السياسيات التنموية، ولذا تشير النتائج إلى ضعف مهارات مثل مهارة التحليل النقدي ومهارة التواصل الكتابي وحل المشكلات والتخطيط للمستقبل وإدارة الوقت، ونوقش مدى مساهمة المناهج وطرق التدريس السائدة في بناء مهارات المعرفة التي تتطلب بيئات تمكينية مناسبة. وفي استعراض أهم نتائج الدراسات الميدانية التي شملت أربع دول هي الأردن والمغرب واليمن ودولة الإمارات العربية المتحدة، أشار التقرير لفجوة بين القيم وبين المهارات، إذ إن الشباب العربي قيميون أكثر من كونهم معرفيون، وحاول المتحاورون إيجاد أسباب لهذه الفجوة ومحاولة تحديد القيم المطلوبة لمجتمع المعرفة لكن من يحددها؟ وحاول التقرير تلمس الاتجاهات والقيم السائدة في المناهج الدراسية ومدى تكامل دور الأسرة مع المدرسة لخلق القيم المعرفية المطلوبة للناشئة. ومما استعرضته الدراسات الميدانية انعدام البيئات التمكينية للمعرفة وأهم هذه البيئات هي الحرية والمؤسسات التي ترعى وتدعم إقامة مجتمع المعرفة. واستعرضت أيضاً غياب التشريعات العربية الضامنة والمشجعة على إقامة مجتمع المعرفة، وضربت الهند وتركيا مثالين لدولتين ناميتين نجحتا في بناء مقومات مجتمع المعرفة، وطرح تساؤل ما ينقصنا في المنطقة العربية كي نحذو حذو هاتين الدولتين. ولم يغب الحراك العربي عن النقاش حول مجتمع المعرفة، وعلاقة الثورات العربية بخلق مستقبل أفضل لمجتمع المعرفة، وقد كان هناك إجماع من قبل المشاركين على أن الإجابة مرهونة بتطور هذه الثورات وما ستؤول اليه، فإن هي انتهت بالاستقرار والحرية، فحتماً ستجلب الازدهار وبالتالي انتشار العلم والمعرفة وتلاشي الأمية والجهل، أما إن تحولت إلى فوضى أو إلى أشكال من الدول الدينية الشمولية، فإنها بالتأكيد لن تحقق مجتمع المعرفة. وقد حظي موضوع الثقافة العربية بقدر من التركيز حول دور ثقافتنا في تحفيز المجتمع المعرفي، وكان من أشد المنتقدين للثقافة العربية بمحاربة المعرفة المفكر السعودي إبراهيم البليهي، حيث يرى أن ثمة قطيعة فكرية في الثقافة العربية مع التسامح والانفتاح والحرية والتعددية والقبول بالآخر. إن الحرية ومنهج النقد العلمي التحليلي بالمدارس هي التي تفجر التحليل والتساؤلات والإبداع لدى النشء، وهي متطلبات أساسية لمجتمع المعرفة.