ليست الثورة فقط إسقاط رأس النظام "الشعب يريد إسقاط الرئيس" والجسم باق. وليست تغيير المؤسسات الدستورية والثقافة باقية. وإنما الثورة أساساً هي الثورة الثقافية، الثورة في الرؤية والمنظور وتصور العالم. ومنها الثورة اللغوية. وقد بدأت الثورة الفرنسية بالثورة الثقافية التي قادها فلاسفة التنوير، وسارت ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة سريان النار في الهشيم. وأصبحت الشعارات الثلاثة للثورة. وقد اندلعت ثورة يناير دون أن تسبقها ثورة ثقافية إلا بشكل محدود. وبعد الثورة توجهت إلى المؤسسات الدستورية طبقاً للقوى الحزبية وحصول كل حزب على أكبر عدد من المقاعد لينال الأغلبية. ومازال التوجه الآن نحو انتخابات الرئاسة وتشكيل لجنة وضع الدستور. وظلت الثقافة السياسية في التيار المحافظ التقليدي باستثناء حمية الشباب وتجاربهم الذاتية في الفقر والقهر والتهميش والبطالة والضياع. وهي تجارب حية لم تتحول بعد إلى فكر ثوري لا قبل الثورة ولا بعدها. لم تتحول الحرية والكرامة إلى بؤرتين في الثقافة الشعبية التي ظلت تقليدية تفرز الثورات المضادة. ومهمة المفكرين الثوريين حماية الثورة عن طريق تثوير الثقافة الشعبية التي نالت الأغلبية في البرلمان حتى وإن كانت ثقافة النخبة محملة ببعض الأيديولوجيات الثورية ليبرالية أو اشتراكية أو ماركسية التي حصلت على الأقلية. ولما كانت اللغة أداة التعبير ووسيلة الاتصال، والوعاء اللفظي الذي يصب فيه الفكر، وكانت اللغة هي أسماء وأفعال وحروف، والأسماء تأتي أولًا قبل العطف والإضافة فإن تحرير الأسماء جزء من تثوير الثقافة. فللأسماء أثر لاشعوري في تصورات الناس وقيمهم. إذ إنها لا تبقى على مستوى الألفاظ، بل تتحول إلى مفاهيم وتصورات ورؤى للعالم ثم إلى مبادئ وقيم ثم إلى محددات توجه السلوك وتحدد اتجاهاته. ويأتي اختيار الأسماء بناء على الإعجاب بمدلولاتها. فإذا كانت الأسرة من النخبة استعملت لأطفالها أسماء، ليزا وكارولين. وإن كانت من الجماهير استعملت خديجة وزينب. وهي أسماء تدل على الولاء الثقافي. وقد يكون الإعجاب بالعظماء فتستعار أسماؤهم. فإن كان الأب ماركسيّاً سمى ابنه جيفارا، أو لينين. وإن كان معجباً بالحركة الكمالية في تركيا سمى ابنه أنور مثل أنور باشا، ولقد سمى كثير من الآباء أطفالهم أثناء ثورة 1919 باسم سعد، وبعد الثورة المصرية 1952 باسم ناصر. ومن الأسماء التي مازالت تدل على ثقافة ما قبل الثورة "سيد" و"عبده". فالسيد سيد على من؟ ولا أسياد على أحد بعد الثورة. و"عبده" عبد لمن؟ ولا عبيد لأحد بعد الثورة. وقد تنشأ الأسماء من الأحداث العظام في البلاد مثل ثورة 1952. فقد انتشر اسم "عبدالناصر" في أطفال الخمسينيات. وفي نصر 1973 سميت الأطفال باسم "عبور". ولم تفرز ثورة يناير زعيماً لها حتى يتسمى الأطفال باسمه. وقد تصاغ الأسماء مع "أب" أو "ابن" مثل "أبو العز"، "أبو المجد"، "أبو المكارم"، "أبو العلاء". فالثورة ثورة العزة والمجد والكرامة والعلو. ولا ضير أن يكون الثائر أباها وليس عبدها. وقد ربط القدماء بعض الأسماء بلفظ "ابن" مثل "ابن الوزير". في حين أن لفظ "ابن" اليوم لا تضاف إلا إلى السباب. ولما كان "الدين" قيمة في قلوب الناس أضيف إلى أسماء مثل "سعد الدين"، "شرف الدين"، "جمال الدين"، "كمال الدين"، "نور الدين"، "قلب الدين". وتشتق هذه الأسماء كثيراً ليس فقط في البلاد العربية بل أيضاً في البلاد الإسلامية. والسؤال إذن: لماذا لم تشتق أسماء من ثورات العرب ونهضتهم المعاصرة على مدى قرنين من الزمان؟ البعض منها ظهر مثل "ناهض حتر" من النهضة. والبعض منها يميل للثورة المضادة مثل "امتثال" وليس "اعتراض"، "مطيع" وليس "رافض" في حين استعمل عند القدماء لفظ الرفض. فإذا كنا ندعو إلى العقلانية فلم يفرز الوجدان الشعبي بعد اسم "عاقل" وإن برز اسم عقل (سعيد عقل). وإذا كنا ندعو إلى الدولة المدنية فلم يبرز لفظ "مدني" إلا قليلًا في "عباس مدني". ولم تظهر على وزن "علاء" أسماء مثل "إباء". ومن الأسماء المؤنثة لم تفرز الثورة أسماء "حرية"، "كرامة"، "عدالة"، "عِزّة" وليس فقط "عَزّة"، "ثورة"، "مقاومة". وهي ألفاظ الثورة التي ترددت على الألسن ثم اختفت. بل قد يضيف البعض اسم "رصاصة" وإن كان قد ظهر في أسماء الأفلام "رصاصة في القلب". ولم يظهر في أطفال فلسطين اسم "حنين" على رغم كتابة أبي حيان التوحيدي "الحنين إلى الأوطان" شوقاً إلى العودة إلى فلسطين. ولم تظهر ألفاظ "عوْدة" كما ظهر في المذكر "عودة". قد تبدو هذه الأسماء غريبة في البداية ولكنها تصبح أليفة في النهاية. فكم من الأسماء كانت عجيبة في البداية ثم بعد أن انتشرت أصبحت مألوفة. بل تتسارع إليها الأمهات لتسمية أطفالهن إلى أن تصبح مألوفة للغاية أو عادية أو قديمة فتظهر أسماء أخرى أكثر جدة. فالقضية تَعَوُّد الأذن عليها. تحرير الأسماء إذن جزء من الثورة الثقافية أو الثقافة الثورية. وتعرف السلطة السياسية مدى أثر الأسماء في الحياة السياسية. فهل تعرف المعارضة الثورية مدى أثر تحرير الأسماء مما علق بها من طول قهر واستبداد؟ وهل يكتفي المفكر الثوري بصياغة خطاب ثوري نظري وافد بألفاظه وإن لم يكن بمضمونه مثل ليبرالية، ديمقراطية، ماركسية أم يغوص في أعماق الثقافة الشعبية كي يحررها من عقالها حتى يكون الخطاب الثوري أقوى سند للفعل الثوري.