ختمت مقال الأسبوع الماضي في هذه الصفحات بتشبيه الوضع في منطقتنا ببرميل بارود محُوط بعيدان الثقاب، وذلك بسبب احتدام الأزمات وارتفاع مؤشر التوتر مجدداً في أكثر من ملف وقضية، مع دخول فصل الربيع واكتمال عام على الحراك العربي في الجمهوريات الخمس التي شهدت ما بات يُعرف بالثورات العربية. واليوم أيضاً تكتمل تسعة أعوام مرت على نشوب حرب العراق. ومع ذلك يبقى التساؤل الذي لا يجد إجابة شافية، والعنوان الذي يظلل الأفق هو حال اللاحسم وعدم اليقين حول كل ملفات الحراك الذي نعيشه ونشهده، وهو الثابت الوحيد في ظل هذه التغييرات الجذرية والتاريخية غير المسبوقة في عمقها وتداعياتها، التي غيرت التضاريس والمفاهيم السياسية، بالإضافة إلى تغيير موازين القوى في المنطقة، كما أنهت حقبة، وخفت فيها نجم قوى إقليمية ودولية وصعد نجم قوى محلية ودولية أخرى. ويمتد هذا اللاحسم كثابت وحيد إلى مختلف الملفات والقضايا وثورات الحراك العربي ومستقبلها، ويشمل كذلك مستقبل العراق وسوريا ودول التحول العربي، هذا وصولاً إلى الصراع العربي الإسرائيلي، والمواجهة التي ارتفع مؤشرها بين إيران والمجتمع الدولي. كما أن ثمة أكثر من تساؤل حول ظاهرة الإسلاميين الذين كسبوا الجولة الأولى وقطفوا نتاج الحراك الثوري العربي وأصبحوا قوة جديدة تتحكم في مخرجات صناديق الاقتراع في المغرب إلى الكويت ومصر وتونس... الخ. ويترك ذلك كثيراً من الأسئلة المبهمة الأخرى في حقبة اللاحسم وعدم اليقين هذه، تخيم على المنطقة العربية في الوقت الراهن. والحال أن هذه الظاهرة لافتة فعلاً وبحاجة إلى تحليل، إذ كيف نجحت الجماعات الإسلامية في ركوب موجة الحراك الثوري التي لم تبدأها، وكيف نجحت في توظيف المناخ الثوري لمصلحتها والانتقال من معارضين في المنافي ومهمشين، وخارج السلطة، إلى من يشكل الحكومات ويقود الأنظمة السياسية؟ ويبرز اللاحسم أيضاً بشكل واضح ومخيف في سوريا، عكس جميع دول الثورات العربية الأخرى، على رغم اللاحسم فيها، إلا أن تلك الجمهوريات حققت عموماً النقلة المطلوبة وانتقلت للمرحلة الثانية. وعلى رغم وجود إجماع على أن المثال الأنجح بعد أكثر من عام على الحراك الثوري العربي هو تونس، إلا أن الواقع يؤكد أيضاً أنها لا تزال كحال دول الربيع العربي الأخرى على مفترق طرق. وآخر مؤشرات المخاوف من انحراف الثورة هو تحذير مستشار رئيس الحكومة التونسية من مؤامرة ضد الحكومة للإطاحة بها. هذا بالإضافة إلى دور الإسلاميين وصعودهم المتنامي، والمواجهات بينهم وبين القوى المدنية على تحديد مستقبل وهوية المجتمع والنظام. ونرى تجليات ذلك في المواجهات المتكررة خاصة في الجامعات التونسية. والوضع أيضاً في مصر بالغ التعقيد، زيادة على عدم وضوح الرؤية بعد انتخابات مجلسي الشعب والشورى وفتح باب التسجيل لانتخابات الرئاسة. فالمواجهة قائمة بين المجلس العسكري والولايات المتحدة على خلفية احتجاز ومنع سفر ناشطين أميركيين ثم السماح لهم بالسفر، وتتفاقم أيضاً مواجهة أخرى بين البرلمان الجديد والحكومة المصرية التي تدعهما المؤسسة العسكرية. وتقديم 19 استجواباً لوزراء في الحكومة المصرية يُنذر بمواجهات حقيقية في الأفق، وخاصة إذا ما نجح المجلس العسكري في الدفع بمرشح رئاسة محسوب على العسكر. أما الوضع الليبي فلا يقل تشاؤماً عن نظيره في تونس ومصر بل لعله يفوقهما، بسبب افتقار ليبيا لدور إقليمي بارز، ومحدودية التأثير الليبي في القضايا الاستراتيجية. واستمرار السلاح بأيدي المليشيات في المناطق والأقاليم، وإعلان زعماء قبائل وسياسيين ليبيين أيضاً منطقة برقة الواقعة في شرق البلاد والغنية بالنفط "إقليماً فيدراليّاً" بقيادة الشيخ أحمد الزبير الشريف السنوسي رئيساً للمجلس الأعلى. وقد رفض مصطفى عبدالجليل، رئيس المجلس الانتقالي الليبي، هذه الخطوة مهدداً باستخدام القوة لوقف ذلك في ظل مظاهرات ليبية سيرت في عدة مدن رفضاً لهذه الخطوة ولتقسيم ليبيا إلى ولايات. وأكثر من ذلك لما قد تشكله من تفتيت وتهديد لوحدة البلاد. والآن بعد أكثر من عام على الثورة الليبية لا تسير البلاد بالاتجاه الصحيح. وكذلك انتقلت السلطة في اليمن من الرئيس السابق علي صالح إلى نائبه عبد ربه منصور هادي في سياق وساطة دول مجلس التعاون الخليجي، وتنحي الرئيس السابق وتم إجراء انتخابات رئاسية، وبالتالي أصبح في اليمن لأول مرة رئيس سابق على قيد الحياة، مثل مصر وتونس. ولكن لا يبدو اليمن في وضع مطمئن مع استمرار المواجهات وبقاء أفراد عائلة صالح وحلفائهم في مواقع نفوذ، وكذلك رئاسة علي صالح لحزب المؤتمر وانتقاداته للثورة. ولزيادة المشهد اليمني تعقيداً يُلاحظ عودة نشاط وعمليات "تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية" ومقره اليمن. وكذلك زادت وتيرة استخدام أميركا لطائرات دون طيار لاستهداف قيادات "القاعدة". وكما سبقت الإشارة فإن الثورة السورية هي الاستثناء من بين دول الحراك العربي، وذلك لأسباب عديدة، منها تركيبة النظام الطائفية والموقع الجيو- استراتيجي للنظام، وتفاعله إقليميّاً، وإمساكه وتأثيره في عدة ملفات حساسة ومهمة من الصراع العربي- الإسرائيلي، وأمن إسرائيل، إلى دوره في ما عرف بمحور الممانعة وعلاقته الاستراتيجية مع إيران وحلفائها في لبنان وفلسطين. وكذلك أيضاً تأثير النظام السوري على العراق وتركيا والأردن، وامتلاكه لترسانة متطورة من الصواريخ والدفاعات الأرضية وأسلحة الدمار الشامل، يصفها رئيس هيئة الأركان الأميركية بأنها أضعاف ما كان يملكه القذافي، كتبرير لصعوبة التدخل العسكري، وهو ما يدفع الغرب للتمهل وسلوك الطريق الدبلوماسي وإعطاء فرصة للأمم المتحدة والعقوبات. وفي هذه الأثناء يستمر النظام السوري في الإمساك بزمام الأمور عن طريق الخيار الأمني والإفراط في استخدام القوة بسبب قراره منذ البداية اللجوء للحل العسكري والترهيب و"البلطجة" لكسر إرادة الشعب وعزيمته. وتبرز دول مجلس التعاون الخليجي كما في الحالات اليمنية والليبية والبحرينية، هي من يقود السرب العربي عن طريق دعم الشعب السوري بمبادرات قوية من بإغلاق سفاراتها في دمشق وطرد سفراء النظام السوري وحتى المطالبة بتسليح السوريين. وذلك احتجاجاً على تمادي نظام دمشق في القتل والتنكيل بالشعب السوري. والراهن أن حال اللاحسم يتجاوز أيضاً بلدان التحول العربي ومستقبلها الذي يبدو إلى اليوم مرتبكاً ومتذبذباً، ليطال أيضاً مستقبل الصراع العربي- الإسرائيلي مع استمرار الصلف الإسرائيلي والانحياز الأميركي. كما يطال أيضاً ضبابية التوقعات حول مستقبل لعبة عض الأصابع بين المجتمع الدولي وإيران حول برنامجها النووي والحديث الذي يظهر ويختفي عن سيناريوهات مواجهة محتملة. وهناك أيضاً العراق الذي يستعد لاستضافة قمة عربية في أجواء مشحونة عراقيّاً وإقليميّاً بعد الانسحاب الأميركي. وفي هذا المقام تبرز كذلك تساؤلات مشروعة حول مستقبل الدور الأميركي، وحال القوة العظمى المتراجعة والمنكفئة بهمومها، وهي تستعد هذه السنة لانتخابات رئاسية مصيرية لاختيار سيد البيت الأبيض المقبل. ولا ننسى أخيراً تغيرات النظام العالمي وظهور قوى جديدة وتراجع دور وحضور قوى كبيرة أخرى. إنها إذن مرحلة اللاحسم المقلقة والخطيرة والمثيرة والمفتوحة على احتمالات كثيرة!