قبل عام مضى، كنت في زيارة لمقر الأمم المتحدة في بغداد، برفقة صديقي آرثر هيلتون، وهو محام لحقوق الإنسان، ذهب إلى العراق، بهدف تقييم الكلفة البشرية للحرب وما بعدها. وكنا وقتها نجلس مع سيرجيو فييرا دي ميلو، موفد الأمم المتحدة الخاص للعراق، في مكتبه الفخم، برفقة عدد من موظفيه. وفي لحظة مباغتة دوى انفجار قوي تحتنا، انهار على إثره السقف الداخلي للمكتب الذي كنا نجلس فيه، فسقطنا من حيث كنا مسافة طابقين أسفل الطابق الذي كنا فيه. ولم أكن أنتبه لأني لم أكن واعياً، بعد انفجار القنبلة، حين تحدثت إلى عمال الإنقاذ، وكانت كلتا قدمي قد بترت وأنا عالق رأساً على عقب، بين أنقاض المبنى المنهار. وهذه تفاصيل بالكاد أذكرها لحظة وقوعها. لكني أذكر جيداً وبكل الصفاء، تلك اللحظة التي أفقت فيها في أحد مستشفيات أوكسفورد، بعد مضي شهر كامل على ذلك الانفجار. وباستثنائي أنا، كان كل من كان في تلك الغرفة قد قضى نحبه.
وعلى رغم مأساوية ذلك الانفجار، إلا أنه لم يكن الهجوم السافر الوحيد، الذي شن على عمال الإغاثة الدوليين في ذلك العام. ففي شهر يونيو من العام نفسه، كان خمسة من أطباء الإغاثة العاملين في أفغانستان- يتبعون لمنظمة أطباء بلا حدود- قد لقوا حتفهم في هجمات مماثلة، وقعت شمالي أفغانستان. والغريب أنه لم تكن لتلك الحادثة أية تداعيات أو ردود فعل قانونية عليها! وفي الوقت ذاته، فقد أرغمت المنظمة على مغادرة البلاد، التي ظلت تعمل فيها على امتداد 24 عاماً دون توقف. وقد شملت تلك الخدمة الطويلة، العمل والمخاطرة، إبان الحرب السوفيتية الأفغانية، كما شملت فترة حكم "طالبان" القهري.
وفي الواقع، فإن الهجوم الذي وقع على مكاتب الأمم المتحدة في بغداد، وانسحاب منظمة أطباء بلا حدود من أفغانستان، إنما يؤكدان، أن عمال الإغاثة الإنسانية، صاروا أكثر من ذي قبل، هدفاً رئيسياً للعنف الذي تتسم به الدول التي تمزقها الحروب. وبالنسبة لمثل هؤلاء العاملين، فليست هناك أرض آمنة وسطى، يعملون من فوقها، في دول مثل العراق وأفغانستان. ذلك أن القوات المتحاربة في كلا الجانبين، تتعامل مع هؤلاء العمال، على أنهم موالون للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي فهم أيضاً هدف دائم للنيران وأعمال العنف، شأنهم في ذلك شأن الجنود المقاتلين. وحين يأتي الدور على الأمم المتحدة وموظفيها، فإن وضعها هي بالذات يبدو أكثر صعوبة وتعقيداً. فعليها من جانب، تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي غير المستحبة، مثل فرض العقوبات، والتدخلات الدولية. وفي الوقت ذاته، فإن عليها توفير المساعدات الإنسانية والتنموية للمواطنين المتضررين من المواجهات المسلحة والعنف. لذلك ما أن عادت الأمم المتحدة إلى العراق، في أعقاب نهاية الغزو الأميركي الأخير للعراق، عام 2003، حتى نظر إليها الكثيرون من العراقيين، على أنها متواطئة مع القوتين الرئيسيتين اللتين شنتا الحرب على بلادهم: أميركا وبريطانيا. وللسبب عينه، فإن المنظمات الطوعية الأخرى غير الحكومية، تحظى بقدر أكبر من الأمان والحرية في عملها الغوثي، مقارنة بالوكالات التابعة للأمم المتحدة. والمعروف عن المنظمات المذكورة، أن قيم الاستقلالية وعدم التحيز والحياد، تمثل جميعها منظومة مبادئ أساسية، تحكم عملها والمهام الإنسانية التي تقوم بها. لكن وعلى أية حال، فهي تعتمد على رغم ذلك، في تمويلها على المساعدات الخارجية، بما فيها الكثير من منظمات الغوث الأميركية، التي تعتمد في تمويلها على المساعدات التي تقدمها لها الحكومة الأميركية. غير أن بعض المنظمات والوكالات يعتقد أن في التعاون مع القوات المحتلة، أو قبول التمويل من جانب الحكومات الممثلة لها، ما يتعارض ومبادئ الحياد والاستقلالية التي تشكل أساس عملها.
وما يمكن ملاحظته بوجه عام، سواء في العراق أم في أفغانستان أم غيرهما، أن الحد الفاصل بين النشاط العسكري والعمل الإنساني، يكاد يمحى في مرحلة الحرب هذه على الإرهاب. والصحيح هو أن يوفر النشاط العسكري، المناخ الأمني الذي يتطلبه النشاط الإنساني. وهناك تبرير منطقي عملي لهذه العلاقة بين النشاطين. فالنشاط العسكري يفتقر إلى الخبرة اللازمة لتوفير المساعدات الإنسانية التي ظلت توفرها المنظمات المتخصصة، على امتداد عدة حقب في مختلف مناطق النزاع، على نطاق العالم بأسره. ومن تلك الخبرة، تراكم معرفة واسعة في التعامل مع المجتمعات المحلية. وعليه فما من سبيل آخر لتوفير قدر أكبر من الأمان والحماية للعاملين في هذه المنظمات والوكالات، سوى الفصل الواضح بين النشاطين العسكري والإنساني.
جيل لويزشر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زميلة رئيسية في مركز الدراسات الدولية بجامعة أوكسفورد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"