في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي يعيشها العالم، والضائقة المالية للاتحاد الأوروبي بفعل الديون المتراكمة، ظهرت العديد من المقولات المشككة في قدرة الرأسمالية على مجابهة اختلالاتها بشجاعة والإقرار بالتناقضات التي تهدد بنسفها من الداخل. ولأن الغرب طور منذ القديم عادة النقد الذاتي ومساءلة الأسس التي يقوم عليها كلما ادلهمت المشاكل والأزمات، فإنه يعود اليوم لتفكيك الرأسمالية ورموزها كما تجسدها الشركات الكبرى، في الكتاب الذي نعرضه اليوم لمؤلفه "ديفيد روثكوف"، وعنوانه "سلطة الشركات... المنافسة الملحمية بين عالم الأعمال والحكومات والحساب القادم". فمن خلال الكتاب يسعى المؤلف الذي شغل منصب وكيل وزارة التجارة في إدارة كلينتون، إلى إماطة اللثام عن بعض الحقائق المرتبطة بتطور النظام الرأسمالي وعلاقته بالدولة على مر العصور ليخلص في النهاية إلى نتائج مهمة يضعها بين يدي القارئ وصانع القرار لفهم ما يجري وتصويب الاختلالات. ولتوضيح التطور التاريخي للعلاقة الجدلية بين الدولة والرأسمال، يستند الكاتب إلى قصة ترجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي في السويد، ستكون بمثابة الانطلاقة الحقيقية لمبدأ الشركات في شكلها المعروف. فقد حدث أن نشأت بفعل الصدفة المحضة شركة "ستورا" التي ما زالت قائمة حتى اليوم، لتكون بذلك أقدم شركة على وجه البسيطة، تعود بدايتها الأولى إلى اكتشاف النحاس بأحد جبال السويد على يد راع للأغنام، لتنشأ الشركة لاستغلاله ولتصبح على مر السنوات إحدى أهم الشركات العالمية المنتجة للورق بحجم معاملات سنوي يصل إلى 20 مليار دولار، وبـ 35 مكتباً موزعاً في أنحاء العالم. لكن أهم ما ميز الشركات في بدايتها الأولى أن ملكيتها كانت تعود إلى الحكومة، وكانت تعكس إلى حد بعيد قوة الدول التي بذلت بدورها جهوداً قصوى لتمكينها من المواد الأساسية حول العالم، ولعل ذلك، يقول الكاتب، ما أشعل فتيل تسابق القوى العالمية في القرن التاسع عشر على غزو الأسواق وإطلاق ماكينة الإمبريالية، وقبلها الاكتشافات الجغرافية الكبرى عندما لم يعد الرأسمال الأوروبي قادراً على الانحباس داخل حدود القارة. إلا أنه بمرور الزمن وتطور الرأسمالية وانتقالها من طور إلى آخر، تحولت الشركات إلى مركز النظام الجديد متبوئة الصدارة في الرأسمالية المتطورة، بل اكتسبت الشركات شخصية قانونية مستقلة مرتبطة بمفهوم المسؤولية المحدودة، وأصبحت بحكم القانون مسؤولة عن الديون والإفلاس وليس الأشخاص الذين يملكونها. ولأنها أيضاً تتمتع بالشخصية القانونية مستعيرة في ذلك الصفة البشرية، أضحت قادرة على عقد الصفقات والدخول في اتفاقات باسمها وليس باسم أصحاب الأسهم. وفي هذا الإطار يسائل الكاتب التطور الذي عرفته الشركات على الصعيد القانوني، وما إذا كان تحولها إلى شخصية مستقلة تترتب عليه مسؤوليات كما تترتب على الفرد نفسه، أم أن الأمر بالنسبة للشركات محصور في الامتيازات القانونية. المؤلف يثير هذه الأسئلة ليبرز ما أصبحته الشركات الكبرى في النظام الرأسمالي اليوم، فقد باتت المحرك الأساسي لهذا النظام، ولم تعد تعترف بحدود الدول بعدما صارت مصالحها تتقاطع مع مصالح قوى خارج الحدود الوطنية. ولا تخفى على أحد، يقول الكاتب، الأموال الطائلة التي تنفقها الشركات الكبرى في عمليات الضغط السياسي وتمويل الحملات الانتخابية في أميركا، واستغلال النفوذ المتنامي للالتفاف على ضوابط الدولة والإفلات منها، وهو ما قاد إلى تضخم النظام المالي وانهياره أخيراً. غير أن المؤلف لا يقتصر على دراسة تاريخ تطور الشركات والتجاوزات التي وقعت فيها، بل يسائل مجمل النظام الاقتصادي الذي استند على نحو مفرط إلى القطاع الخاص والشركات الكبرى في إحالة واضحة إلى النموذج الرأسمالي الأميركي. وهنا ينتقل الكاتب إلى دراسة مقارنة للنماذج الاقتصادية في العالم، مؤكداً أن الرأسمالية ليست واحدة بل هناك رأسماليات متعددة، وأن النموذج الأميركي بالنظر إلى ما أظهره من قصور لن يكون بالضرورة النموذج الأمثل في العالم، فعلى امتداد القوى الفاعلة على الساحة الدولية ظهرت نماذج مختلفة من الرأسمالية، سواء أكانت تلك المعمول بها في الصين والقائمة على امتلاك الدولة للشركات وقيادتها، أو ذلك التوازن القائم في أوروبا بين الدور الاجتماعي للشركات وتوجهها الربحي. ومن استقرائه لواقع الأزمة الحالية وارتباطها الوثيق بالتطور غير المعقلن للشركات يرى المؤلف أن المستقبل هو لنظام يعيد إقامة التوازن بين القطاعين الخاص والعام، فالشركات لوحدها لا تستطيع العمل في إطار من الفراغ القانوني وغياب المحاسبة الضرورية حتى لا تنفلت الأمور عن السيطرة، وبالمثل لا يمكن للدولة الانسحاب تماماً من الساحة لأن الفراغ الناشئ لن تستطيع قوى المجتمع الحية ملأه ليبقى نهباً للشركات القوية والنافذة لتفرض شروطها وتقود المجتمع! زهير الكساب ------ الكتاب: سلطة الشركات... المنافسة الملحمية بين عالم الأعمال والحكومات والحساب القادم المؤلف: ديفيد روثكوف الناشر: فرار ستروس أند جيرو تاريخ النشر: 2012