لعل الوقت الراهن هو الأنسب لنشر كتاب يفسر الأسباب التي جعلت عملية إصلاح الاقتصاد الأميركي تستغرق وقتاً أطول مما يجب. والحقيقة أن "نوام شايبر"، مؤلف الكتاب الذي نعرضه هنا وعنوانه "فنانو الهرب... كيف ارتبك فريق أوباما في سعيه لتحقيق التعافي الاقتصادي"، لا يقصر في تفسير تلك الأسباب، حيث يقدم عرضاً وافياً لعملية صناعة السياسة الاقتصادية في الإدارة الأميركية التي يقول عنها إنها لا تضم أبطالاً وأشراراً، ولا قديسين وأغبياء، كما لا تتضمن طرقاً واضحة المعالم يمكن الاهتداء بها. والصورة العامة التي يرسمها هي لفريق لم يكن موفقاً في الحيلولة دون التعرض لتداع اقتصادي طويل الأمد. يشرح المؤلف كيف أن أداء فريق أوباما الاقتصادي الذي كان يضم بعضاً من أفضل العقول الاقتصادية في الولايات المتحدة، مثل" لورانس سمرز" كبير مستشاري الرئيس للشؤون الاقتصادية، و"تيم جيثنر" وزير الخزانة، و"كريستنيا رومر" المستشارة الاقتصادية البارزة، و"أوستان جولسبي" كبير الخبراء الاقتصاديين في البيت الأبيض، و"بيتر أورساج" مدير الميزانية بالبيت الأبيض أيضاً... قد اتسم بالتضارب والارتباك، حيث اختلفت آراء أعضائه وتباينت بشأن الموضوعات التي تصدوا لمناقشتها، ومنها سياسة التحفيز الاقتصادية، والقوانين واللوائح المصرفية، وإجراءات مكافحة البطالة، وسياسة تعزيز مزايا دولة الرفاه في أتون الأزمة الاقتصادية، وأخيراً سياسة إعادة الحيوية للاقتصاد. يقول المؤلف إن العضو الأكثر أهمية في فريق أوباما الاقتصادي كان أوباما نفسه. فبدل التحرك من وراء ستار، كان الرئيس يتدخل في مناقشة أدق التفاصيل، وكان أحياناً يعمل كعنصر توازن بين الآراء المتباينة لأعضاء الفريق، وكان يفعل ذلك انطلاقاً من اعتبارات سياسية تمليها عليه في المقام الأول واجبات منصبه كرئيس، وليس انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية بحتة كما يفعل مستشاروه. ويسلط المؤلف الضوء على قيام فريق الإدارة بتحويل بؤرة اهتمامه قبل الأوان من موضوع محاربة البطالة وتشجيع التشغيل، إلى موضوع عجز الموازنة خلال عام 2010 ومعظم عام 2011، ويخص هنا "أورساج" باللوم لتركيزه غير الضروري على موضوع الديون. لكنه يتجاهل حقيقة أن "أورساج" قد اختلف عن الأعضاء الآخرين حيث كان يفضل انتهاج سياسة للتحفيز الاقتصادي جنباً إلى جنب مع سياسة لتخفيض العجز، بدلاً من أن يتخذ الاثنان مسارين منفصلين. وخلال مراحل الأزمة تساءل العديد من خبراء الاقتصاد عن السبب الذي جعل أوباما يقضي الجزء الأكبر من ولايته الأولى في مجهود غير مثمر لتأمين التوصل لصفقة بين الحزبين بشأن الدين العام في الأمد الطويل، بدلاً من التركيز على أزمة الوظائف في الأمد القصير؟ يقول المؤلف إن الذي دفع أوباما لذلك هو إحساسه التاريخي بجسامة المهمة المعلقة في رقبته. فبعد أن أخبره "جينثر" أن الحيلولة دون وقوع كساد عظيم آخر سوف تكون أبرز إنجازاته على الإطلاق، وسوف تؤمّن له رئاسة ثانية، لم يتقبل منه أوباما ذلك وطالبه بالتركيز على المسائل الأكبر وليس على تأمين إعادة انتخابه. هذا التصميم من جانب الرئيس على عدم الاكتفاء بالحلول القصيرة الأمد والتركيز على المسائل الأكبر حقق للبلاد -يقول المؤلف- الإصلاح الصحي، لكنه أخفق في تحقيق التقدم في موضوع التغير المناخي، وكان سبباً في ترك موضوع تقليص العجز كجزء من الصورة العامة إلى أن يستطيع الرئيس تحقيق تسوية بين الحزبين الكبيرين. ويرى المؤلف أن السؤال الأهم بشأن سياسات أوباما الاقتصادية هو: لماذا لم تتم تجربة أفكار أخرى مهمة، رغم أن تلك الأفكار في نظر كثير من الخبراء كانت كفيلة بتحقيق نتائج أفضل من التي تحققت بالفعل؟ هذا السؤال يقود حتماً إلى إجابة محددة يمكن بها تفسير ما حدث، وهي أن فريق أوباما كان يعاني من قصور في الخيال فيما يتعلق بمعالجة المشكلات التي كانوا يواجهونها. وهناك سؤال قد يطرحه قارئ هذا الكتاب في نهاية المطاف هو: خلال الشهور الأخيرة حققت سياسة تقليص مستوى البطالة تقدماً ملحوظاً، كما حقق الاقتصاد بوادر تعافي مؤكدة... فهل سيكون ذلك سبباً لإعادة انتخاب أوباما لولاية ثانية وسبباً يدعو فريقه الاقتصادي للادعاء بأن آراءهم "الصائبة" كانت السبب في ذلك؟ ربما يكون الأمر كذلك، بيد أنه مما لا شك فيه أن هذا الكتاب احتوى على أفكار قيمة يمكن أن تهتدي بها أي إدارة أميركية قادمة، بل يمكن أن تستفيد منها إدارة أوباما نفسه إذا ما تمكن من تأمين الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة. -------- سعيد كامل الكتاب: فنانو الهرب... كيف ارتبك فريق أوباما في سعيه لتحقيق التعافي الاقتصادي المؤلف: نوام شايبر الناشر: سايمون وشوستر تاريخ النشر: 2012