منذ بداية انطلاق الحراك الذي عرفه العالم العربي قبل حوالى سنة، كانت إسرائيل تراقب الوضع الجديد للمشهد السياسي العربي ومتغيراته، لاسيما التحولات البنيوية التي شهدتها أجزاء من هذا المشهد، في محاولة منها لاستثمار متغيراته لتقوية نفوذها الإقليمي، وتدعيم نفوذها الراسخ في واشنطن باعتبارها (الدولة العبرية) رقعة الشطرنج التي تدور عليها مراهنات الغرب ومعاركه في المنطقة. وإسرائيل تدرك تماماً هذا الدور الذي تلعبه، وتأثيره التراكمي في واشنطن وبقية العواصم الغربية، حيث يوجد تداخل مهم بين وجود الكيان الصهيوني في المنطقة العربية وتأثيراته على الجسد العربي وبين النفوذ الذي يصنعه اللوبي الصهيوني داخل أميركا والغرب. وقد عبّر الكاتب الإسرائيلي "جدعون ليفي" عن هذه الحالة المتراكمة داخل الجسد الغربي، وتأثيرها في وجود إسرائيل وممارساتها الوحشية في فلسطين، حيث يقول في مقال نشر مؤخراً: "سيجتمع فيل ونملة! يسجل في تاريخ الشعوب الآن فصل لم يحدث له مثيل قط، فلم تُمل قَطُّ دولة صغيرةٌ على قوة عظمى سلوكَها، ولم يُسمع قَط صرصوراً يصدر صراخاً عالياً كهذا، ولم يُشبه قَط فيلٌ نملةً، ولا نملةٌ فيلا، ولم تجرؤ أي ولاية على أن تُملي على يوليوس قيصر سلوكه، ولم يخطر على بال أي قبيلة أن تضطر جنكيز خان إلى أن يسلك بحسب مصالحها القبلية... سوى إسرائيل". لذلك لم أستغرب الكاتبَ الإسرائيلي "نداف هتسني" حين قال في مقال منشور في الأونة الأخيرة هو كذلك: "قبل نصف سنة فقط، وعدونا بتسونامي سياسي سيجعل دولة إسرائيل منبوذة ومقاطعة، لكن هذه هي دولة إسرائيل توجد في مكان آخر تماماً، في منصة الشرف، ووزير خارجيتنا في أوروبا يثبت الحلف الإسرائيلي البلقاني، ورئيس وزرائنا يستقبل بالترحاب في البيت الأبيض. الكل في واشنطن منشغلون بضمان البطاقات لمؤتمر اللوبي المؤيد لإسرائيل (إيباك)... الفلسطينيون حاولوا عزلنا، الأتراك عملوا بكد على إهانتنا، كتلة السلام أصرت على تقديمنا إلى المحاكمة في لاهاي، وفي هذه الأثناء فإن قائمة الموظفين الأميركيين الذين يقضون وقتهم في الخط إلى تل أبيب تضرب أرقاماً قياسية، وعدد الدول الأوروبية التي تعمق التحالف السياسي الاستخباري معنا، عدد غير مسبوق". والسؤال المهم هنا: لماذا لا تحاول الدول العربية أن تفعل مثل ما تفعله إسرائيل في أميركا والغرب، خاصة في فترة الانتخابات، فتكسب من المرشحين للرئاسة وعداً لحل قضاياها، وعلى الأخص القضية الفلسطينية؟ أعني بذلك أنه من المفيد والضروري للعرب أن يكون لهم "لوبي" عربي يكون قادراً على التأثير في تلك القوى، خاصة في فترة الانتخابات، بالحصول منهم على مواقف والتزامات تخدم المصالح والقضايا العربية، وأن ننسق مساعينا بصورة واحدة وواضحة وشاملة، وأن ننطلق في ذلك من الفهم الكامل والواضح لديناميات النظام السياسي الأميركي، ومحفزات الرأي العام هناك. ولفهم سياسة الغرب، تتعين دراسة تاريخه وثقافته بوعي شامل يجعلنا قادرين على التعامل مع قواه ومصالحه لخدمة قضايانا، خاصة في مجال الإعلام والدعاية، وأن ندرس الدور الذي تلعبه استفتاءات الرأي العام. وقبل ذلك لابد من تزويد الذهن العربي بالطاقة اللازمة التي تجعله قادراً على فهم كيفية التعامل مع القوى السياسية والإعلامية والفكرية والأكاديمية والعلمية والاقتصادية في الغرب، وكيفية التفاعل معها والتأثير فيها.