رغم خروج حزب "البعث" السوري من أزمات كانت تهدد بقاءهُ مثل احتلال العراق واغتيال الحريري والاشتباك العسكري بين "حزب الله" وإسرائيل، إلا أن الأزمة الحالية تكشف عن حقيقة أن "البعث" السوري خسر شرعيتهُ كنظام سياسي حاكم. فشرعية النظام السوري المتمثلة في خطابه السياسي عن الأمن القومي العربي والعدالة الاشتراكية والصراع مع إسرائيل والغرب تصدعت، ليس بسبب استهلاك تلك الشعارات وحسب بل أيضاً لأن الوضع السوري الداخلي يعكس صوراً من الفقر وغياب العدالة الاجتماعية لحساب نظام يمثل جماعة بعينها، من عسكر وتجار وطائفة، الجماعة المسيطرة على النظام والتي آن لها أن تواجه ما صنعت بسوريا على مدى نصف قرن كانت فيه البلاد تزحف اقتصادياً وتستثمر في أيديولوجيتها الاشتراكية العربية بما يخدم بقاء حزب "البعث" كنظام حاكم أكثر مما تحقق الأهداف الإيديولوجية المعلنة والتي كان يتغنى بها وكانت توجد آذان تطرب لها. هناك رؤوس انتعشت مع اقتراب حمل نعش حزب "البعث"، لا شك أن الأكراد رفعوا أصواتهم مطالبين بحقوقهم كشعب له لغة وثقافة وحقوق تاريخية، ولعلها بداية الطريق إلى الوحدة مع كردستان العراق. أما دروز سوريا فربما ليسوا في حالة إغراء بسقوط النظام لأنهم، كما هو مسجل تاريخياً، رفضوا محاولة إسرائيل إغراءهم بدولة تقع بين إسرائيل وسوريا، وهم حلفاء النظام الحالي أيضاً. وإذا كان الشعب السوري يأمل شق الطريق إلى الديمقراطية بعد رحيل "البعث" فمن الطبيعي أن يعاني بسبب اختلاف التوجه السياسي الداخلي بين المنظورات الإسلامية والليبرالية واليسارية، ناهيك عن أنهُ مازال يعاني في نضالهِ ضد النظام حيث لم يقدم لروسيا ما تطلبه كثمن للتخلي عن النظام، فلم تقدم المعارضة السورية حتى الآن ضمانة ببقاء الروس في ميناء طرطوس الذي يعتبر البوابة الروسية في البحر الأبيض المتوسط، لأنها غير راغبة في النموذج الروسي البعيد عن الديمقراطيات الغربية. وربما تكون غير راغبة أيضاً في المعادلات السياسية والعسكرية التي ربطت وتربط النظام السوري مع موسكو. ومما لاشك فيه أن أنصار لبنان الدولة والنظام سيرون في انهيار النظام السوري ضعفاً كبيراً لـ"حزب الله" الذي أصبح ثقلاً سياسياً كبيراً على كاهل الدولة اللبنانية. وفي الجانب الآخر، هناك من سيكون في حالة عزاء عندما تدق المسامير في نعش حزب "البعث" السوري. فعلى المستوى الدولي، سوف تخسر روسيا حليفاً تاريخياً مهماً في الشرق الأوسط، ولا يوجد في خريطة الشرق الأوسط حليف سيعوض روسيا عن سوريا. لقد قلَّبتُ خريطة الشرق الأوسط ملياًّ ولم أجد بديلاً كدمشق لموسكو التي تسعى تحت قيادة بوتين إلى إرجاع هيبة روسيا العالمية. لمن العزاء على المستوى الإقليمي؟ حقاً سوف تخسر طهران حلقة إستراتيجية مهمة في المنطقة، إذ كانت طهران ودمشق و"حزب الله" و"حماس"، تمثل تحالفاً ثيوقراطياً قومياً عربياً فارسياً في قالب دولتين، وفي جانب آخر ميليشيا شيعية (حزب الله) مع حركة إسلامية سنية (حماس). وهذه الحلقة الاستراتيجية تمثل لموسكو الكثير من حرية التحرك بالبيادق في اللعبة الدولية مع الغرب على طاولة الشرق الأوسط، أي أنه سيكون لسقوط حزب "البعث" أثر دولي يفوق سقوط الأنظمة العربية الأخرى في كل من مصر وليبيا وتونس. وفي حالة رحيل نظام "البعث" السوري، هناك مساران على المستوى الإقليمي، الأول إمكانية تحول إيران إلى قوة نووية بدعم من روسيا التي لن ترى لها في الشرق الأوسط بعد قلعة دمشق إلا طهران، وربما تأتي بغداد بديلاً لدمشق، ولكن العراق ما زال ضعيفاً داخلياً وخارجياً. وهنا لمن يكون العزاء في تحول إيران إلى دولة نووية؟ أما المسار الثاني فهو أكثر تعقيداً، ففيما لو عجزت موسكو عن تعويض دمشق بطهران، فربما تغيب القوة الروسية عن الشرق الأوسط، وهنا سوف تخسر دولٌ كثيرة ما توفرهُ موسكو من حيز سياسي لتحرك الدول في الشرق الأوسط أمام الغرب. هذه الحالة توافق ما ذهب إليه كيسنجر في حديثهِ الأخير: "إذا كنت لا تسمع طبول الحرب، لابد أن تكون أصماً". ويذهب كيسنجر إلى أن الشرق الأوسط وأحداثَهُ الأخيرة ستمنع موسكو وبكين من الصعود إلى الأعلى لمزاحمة الغرب، وسوف يموت الطموح الروسي والصيني لبناء جدار يمنع الهيمنة الأميركية. لكن كيسنجر(89 عاماً) ربما أصيب بشيء من الخرف أو الوهم حيث فاته أن لروسيا والصين مناطق أخرى للصراع مع الولايات المتحدة والغرب ليس في آسيا وحسب بل في أميركا اللاتينية وأفريقيا رغم أهمية الشرق الأوسط. لمن العزاء في نعش "البعث"؟ إن تحطمت الأنظمة العربية ذات الطابع الجمهوري الذي يواكبهُ صعود التيارات الإسلامية في غياب أيديولوجيا أخرى قوية في الدول العربية تستطيع مخاطبة الفقراء وبناء المجتمع اقتصادياً وسياسياً... ربما يقود إلى أن العزاء يشمل الغرب ولو بَعد حين. وليس غريباً، أن تكون للتيارات الإسلامية قاعدة شعبية بسبب الفقر المنتشر في الدول العربية. والواقع أن الفقراء لا يفهمون الليبرالية كما يفهمون لغة التيارات الإسلامية واليسارية، وإذا كانت الأخيرة شبه ميتة، فإن التيارات الإسلامية نشطة اليوم، كما أن الليبرالية العربية لم تتجاوز الملبس، وفي جانب آخر كانت ضحية للبورجوازية العسكرية العربية. واستناداً للثقافة العربية والخبرة التاريخية سوف نشهد صراعات عربية -عربية بسبب هذه التيارات الإسلامية، كما حدث مع تيارات العروبة بسبب الزعامة وتباين النظرات الفكرية والحضارية. وهنا لمن العزاء؟ قبل أن يجهز نعش "البعث"، تساق نعوش أبرياء ومقاتلين في سوريا لإنهاء نظام لم يعد يملك شرعيةً للبقاء، وسوف نرى تحولات كبيرة في المنطقة تحمل الكثير مما طرحناهُ هنا.