لسنوات عديدة ظلت تقنية الاتصالات تمثل المادة الخام لمعظم روايات الخيال العلمي. أما الآن فإننا نجد أن تلك التقنية قد شهدت طفرات حقيقية إلى الدرجة التي أصبحت معها المجسات والأجهزة والكمبيوترات ،قادرة على التحدث مع بعضها بعضاً لاسلكيا، بطرق تتضاءل إلى جانبها الطريقة التي يتم بها التواصل بين الأجهزة اللاسلكية العادية مثل الهواتف النقالة. وعلى رغم أن شبكات المجسات اللاسلكية تستخدم منذ أمد طويل في العديد من المهام الحرجة مثل التحكم في حركة المرور الجوي، إلا أننا نلاحظ في الوقت الراهن أن تلك التقنية قد أصبحت قادرة على مد نطاق تأثيرها إلى مجالات جديدة لم تكن معروفة من قبل مثل إدارة أنظمة الإضاءة، والكشف عن عيوب المباني. فعلى سبيل المثال يتم حالياً إجراء اختبارات على نظام اتصالات متطور مزود بأجهزة تقوم بتنبيه المزارعين إلى الوقت المناسب الذي يجب أن يقوموا فيه بري وجني محاصيل العنب في مزارعهم. وهناك أيضاً أنظمة أخرى تحت التطوير حالياً منها نظام يقوم برصد حمولات الشاحنات التي تمر فوق الجسور العتيقة لمساعدة سلطات الولايات المختلفة على تحديد عمليات الصيانة المطلوبة لهذه الجسور، والقيام كذلك بتقديم التحذيرات عندما تتعرض الشاحنات التي تقوم بنقل النفط إلى خطر السقوط من فوق تلك الجسور.
يقول هانز مالدار المدير المساعد لشؤون البحوث بشركة (إنتل) التي قامت باستثمار أموال طائلة في تطوير الشرائح الإليكترونية التي تستخدم في الاتصالات اللاسلكية، إن المحادثات اللاسلكية التي تتم بين المجسات سوف تكون هي النمط التكنولوجي السائد خلال عشرين عاماً من الآن. وعلى رغم أن البعض يرى أن هذه الأفكار لم تتحقق بعد على أرض الواقع وأنها لا زالت في إطار المستقبليات، إلا أنها نجحت مع ذلك في الاستئثار باهتمام رجال الأعمال، وأصحاب المشروعات الذين تقوم استثماراتهم بدعم إنشاء شركات شبكات أجهزة الاستشعار الجديدة مثل شبكة (ميلينيال). وفي مقابل كل شركة من الشركات المتخصصة في هذه الأنشطة، توجد عدة شركات أخرى تقوم حالياً بقياس حجم الأسواق التي يمكن أن تتاح لها مستقبلا.
حول هذا الأمر يقول روبرت إيه بيردسي مدير تطوير السوق بشركة (دريسار) للأجهزة وهي فرع من شركة (دريسار بستراتفورد) التي تقوم بصنع طائفة من أجهزة قياس الضغط ودرجات الحرارة: لا نستطيع أن نقول إن هناك طفرة قد تحققت حتى الآن، ولكن مما لا شك فيه أن تلك الأفكار قد أصبحت واسعة الانتشار. وهناك مفاهيم تقنية لازالت تبدو في نظر البعض مبالغاً فيها مثل مفهوم "الغبار الذكي" وهو اصطلاح يستخدم للإشارة إلى المجسات التي تستخدم في مجال الاتصالات، والتي لا يزيد حجمها عن حجم حبيبات الرمل. والمدافعون عن فكرة الغبار الذكي يتخيلون أن تلك المجسات يمكن استخدامها في تطبيقات عديدة منها مثلا مراقبة الغابات بغرض حمايتها من اندلاع الحرائق، أو تحذير الجنود من المواد الخطرة في ميادين القتال، أو كأجهزة تنبيه لحراس الحدود.
بيد أنه لم يحدث حتى الآن على الأقل أن قامت شركة بإنتاج مكونات صغيرة بدرجة تسمح بإنتاج أنظمة الغبار الذكي. ولكن العلماء يقولون إنه قد تم تصميم نظام للشبكات Mesh Networking System يمكن الاستفادة منه في تقليص احتياجات الأجهزة من الطاقة -نظرياً على الأقل- إلى الدرجة التي يمكن أن تسمح للباحثين بالقيام- خلال السنوات القليلة القادمة- بإنتاج شبكات مكونة من عقد Nodes من المجسات التي لا يزيد حجمها على حجم طوابع البريد، والتي تعمل بواسطة بطاريات ليثيام بحجم العملات الصغيرة.
كل ذلك أدى إلى تشجيع رجال الأعمال على الإقدام على استثمار أموالهم في هذا المجال الذي يطلق عليه "الشيء الكبير الآتي في مجال التقنية". وتقدر إحدى مؤسسات البحوث السوقية بسان دييجو وهي مؤسسة (أون وورلد) أن شبكات المجسات المستخدمة في مجال الاتصالات، قد حققت مبيعات وصلت قيمتها إلى 150 مليون دولار أميركي العام الماضي، ويتوقع لها أن تصل إلى سبعة مليارات دولار عام 2010. ويذكر أن شبكات المجسات يتم تصميمها ليس فقط من أجل جمع المعلومات، ولكن كي تقوم أيضاً بدور الجهاز العصبي لأجهزة التحكم الإليكترونية، التي تقوم بفتح وغلق الماكينات حسب الظروف المحيطة بها.
فعلى سبيل المثال قامت وكالة مشروعات بحوث الدفاع المتقدمة في الولايات المتحدة الأميركية، باستخدام تقنية مطورة بواسطة شركة (سنسوريا) بسان دييجو، لإنتاج ألغام أرضية متحركة مضادة للدبابات، تقوم بتغيير موضعها أتوماتيكياً لملء الفراغات التي تتخلف عن انفجار الألغام الأخرى.
وفي الوقت الذي تتطلع فيه الصناعة إلى الأمام فإن (الثقة) والتكلفة هما الموضوعان الكبيران اللذان تركز عليهما بشكل خاص وذلك كما يقول كريستوفر بيستر مدير التقنية في شركة (داست نيت وركس) في بيركلي- كاليفورنيا. ودكتور بيستر وهو العالم الذي قام بصك تعبير"الغبار الذكي" Smart Dust عندما كان يعمل باحثاً في جامعة كاليفورنيا يقول إنه من ضمن الآثار السلبية التي تر