إلى أين تتجه سوريا بعد عام كامل على اندلاع انتفاضتها التي بدأت في منتصف مارس 2011 ثم توسعت وخلقت حراكاً شعبياً يستهدف تغيير نظام الأسد؟ هذا هو السؤال المحوري الذي تبدو الإجابة عليه صعبة بمقدار صعوبة الوضع في سوريا. فهناك من يرى أن النظام لا يزال قوياً بدليل صموده في مواجهة احتجاجات متزايدة على مدى عام كامل. وثمة من يعتقد أن دعاة التغيير هم الأقوى بدليل استمرارهم في مواجهة قمع سافر أدى إلى قتل أكثر من سبعة آلاف وإصابة عشرات الآلاف واعتقال مثلهم أو أقل أو أكثر حيث يستحيل تقدير أعداد ضحايا هذا القمع بدقة. والحال أن كلاً من المقاربتين صحيح إذا أُعيدت صياغة التقييم المتضمن في كل منهما، بحيث يجوز القول إن النظام لا يزال قوياً، لكن ليس بالدرجة الكافية التي تمكِّنه من إخماد الاحتجاجات، وإن المحتجين يملكون مقومات للقوة، لكنها لا تكفى لإسقاط هذا النظام. إنها، إذن، معادلة صعبة حقاً في ظل عدم قدرة أي من طرفيها على تغيير التوازن القائم على الأرض لمصلحته طوال سنة كاملة. فكثيرة هي مقومات قوة كل من الطرفين، وعوامل الضعف فيهما. ويمكن إجمال أهم مقومات قوة النظام في أربعة على الأقل: أولها استمرار ولاء قوات الجيش والأجهزة الأمنية، رغم الإنهاك الذي أصابها لوجودها المتواصل في "الميدان" لسنة كاملة والعبء الأخلاقي الذي تحمله على كاهلها جراَّء تورطها في قتل متظاهرين سلميين ومدنيين أبرياء أو إعطاء أوامر لقتلهم. وبسبب هذا التماسك، لا يزال عدد العسكريين المنشقين محدوداً، لا يزيد على 15 ألفاً وفق مصادر المعارضة، وليس حسب تقارير محايدة يصعب الحصول على المعلومات الدقيقة اللازمة لها. وعندما يكون مجموع قوات الجيش نحو 220 ألف جندي نظامي، لا يمكن اعتبار مثل ذلك الانشقاق مقدمة لتغيير ملموس في ميزان القوة على الأرض. وفضلاً عن هذه القاعدة العسكرية الأمنية التي يعتمد عليها النظام اعتماداً أساسياً، فثمة قاعدة اجتماعية يستند إليها وتمثل عاملاً ثانياً لقوته، وهي الأقليات التي تخشى تغييراً يدفع البلاد نحو المجهول. ولا يقتصر خوف الأقليات من هذا التغيير على العلويين الذين يمثلون القاعدة الاجتماعية والسياسية الأكثر أهمية للنظام السوري منذ أكثر من أربعة عقود. فالعلويون هم الأكثر قلقاً بطبيعة الحال لأنهم محسوبون بشكل مباشر على نظامي الأسد الأب والابن. ولذلك لم ينضموا إلى الاحتجاجات، وعلى استحياء في معظم الأحوال، إلا قليل جداً منهم، أشهرهم الفنانة الممثلة فدوى سليمان التي تعرضت لحملة تشويه ضارية شارك فيها شقيقها على شاشة التلفزيون. لكن المسيحيين أيضاً قلقون من تغيير لا يعرفون نتائجه. ويزيد قلقهم نجاح أحزاب إسلامية في حصد نتائج مثل هذا التغيير في تونس ومصر، وتوقع تكرار ذلك في ليبيا في مدى قريب واليمن في أمد أبعد. لذلك فهم أكثر الأقليات خوفاً من التغيير بعد العلويين. وهناك أيضاً فريق من الكرد المنقسمين على أنفسهم، وقطاع لا بأس به من الأغلبية السُنية لا يقتصر على فئاتها الاجتماعية العليا والوسطي التي حققت مكاسب في ظل نظام الأسد. ففي أوساط السُنة، كما بين الأقليات، كثير ممن تعاملوا مع العراقيين الذين فروا إلى سوريا هرباً من العنف في بلادهم، ورووا قصصاً تشيب لها الولدان. ولأن سوريا استقبلت أكبر عدد من العراقيين الفارين بحياتهم، فقد صارت تجربتهم مصدر قلق من إمكان حدوث مثلها بشكل أو بآخر، خصوصاً في ظل خطاب إعلامي رسمي جعلها فزاَّعة لترويع الناس وتخييرهم بين استمراره والحرب الأهلية. ويعتبر ضعف تنظيم المعارضة هو ثالث مقومات قوة النظام السوري. فلا وجود لقيادة موحدة أو زعماء يستطيعون توحيد صفوف هذه المعارضة المنقسمة والموجود معظمها في الخارج، وإن كان أهم فصائلها، وهو "المجلس الوطني السوري"، تمكن من التواصل مع المحتجين في الداخل عبر لجان محلية في كثير من المناطق المشتعلة. وعندما تكون المعارضة عاجزة عن الاتفاق إلا على إسقاط النظام، ومفتقدة خطة لليوم التالي لتحقيق هذا الهدف، ومختلفة على كل شيء من الأيديولوجيا إلى الاستراتيجيا، يصبح هذا الانقسام من أهم مصادر احتفاظ النظام بقوته حتى اليوم. ولا يمكن إغفال أهمية الدعم الروسي والصيني دولياً والمساندة الإيرانية الكاملة وما يقترن بها من أبعاد إقليمية. فلا تزال موسكو وبكين تعتبران سوريا الأسد رصيداً استراتيجياً. ولذلك تحاولان المحافظة عليه بكل ما لديهما من إمكانات بما في ذلك "حق" النقض في مجلس الأمن. أما إيران فتعتبر حماية نظام الأسد قضية حياة أو موت لأن سقوطه يفقدها الدولة الوحيدة المتحالفة معها في المنطقة ويضعف أهم أوراقها الإقليمية وهي "حزب الله" في لبنان. غير أنه في مقابل هذه المقومات الأربعة لقوة النظام السوري، يمتلك المحتجون بدورهم مقومات للقوة يمكن إجمال أهمها في أربعة أيضاً. وأول هذه المقومات بالضرورة هو امتلاك إرادة التغيير والاستعداد للتضحية من أجله. وهذا يفسر استمرار الاحتجاجات وتصاعدها والإصرار على تحدى النظام رغم التكلفة الفادحة المترتبة على ذلك، والتي بلغت مبالغ تفوق قدرة البشر على التحمل في بعض المناطق وخصوصاً في حمص. ومن مقومات قوتهم أيضاً نجاحهم في كسب معظم الدول العربية بعد أن بدا ذلك بعيد المنال على مدى أشهر عدة. وها هي هذه الدول تمضى قدماً في الضغط على النظام الذي أحرق أوراقه معها ورفض الجهود التي بذلتها لإيجاد حل سلمي. ويدخل في هذا الإطار أيضاً نجاح المحتجين في فرض قضيتهم على جدول الأعمال الدولي المتخم بالقضايا والأزمات رغم حساسية وضع سوريا إقليمياً. ولا يمكن أن يكون توسع نطاق الاحتجاجات وانتشارها إلا عاملاً ثالثاً للقوة لأنه يحول دون القضاء عليها، بخلاف الحال في انتفاضة عام 1982 التي اقتصرت على حماة، فكان سهلاً إخمادها خلال أسابيع بالقوة. ومن مقومات قوة الاحتجاجات السورية أيضاً أنها تكتسب في كل يوم خبرات جديدة تتبادلها "التنسيقيات" في المناطق المختلفة، وتبتكر بالتالي أساليب غير مألوفة في الحشد والتعبئة، وتقدم تجربة ملهمة في كسر الحصار الإعلامي الذي يفرضه النظام وتستخدم وسائل متجددة لتصوير فعالياتها وبثها عبر الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي على "الإنترنت". وإذا كانت هذه المقومات كافية لاستمرار الاحتجاجات، والحيلولة دون العودة إلى ما قبل شرارتها الأولى في 15 مارس 2011، ربما يكون السؤال الأساسي في مطلع عامها الثاني هو: كم من الوقت يلزم لتحقيق التغيير الذي تنشده قطاعات متزايدة من الشعب السوري؟