عادت قضية التأثيرات الصحية للمشروبات الغازية للظهور على السطح مرة أخرى، مع اتخاذ شركتين عاملتين في هذا المجال قراراً بتعديل تركيب مكونات مشروباتهما واسعة الانتشار، لتجنب وضع تحذير على منتجاتهما مؤداه أنها قد تتسبب في الإصابة بالسرطان، حسب ما تناقلته وسائل الإعلام العالمية. والمركب محل الاتهام، أو بالأحرى الشكوك، يعرف اختصاراً بـ(4-MEI)، وينتج أثناء عملية إنتاج "الكراميل" من خلال تسخين السكريات إلى درجة حرارة مرتفعة، حيث يمنح الكراميل المشروبات الغازية لونها الداكن المميز. وتأتي هذه الخطوة من قبل الشركتين العملاقتين بعد أن قرر مكتب تقييم المخاطر الصحية البيئية لولاية كاليفورنيا(California Office of Environmental Health Hazard Assessment)، وبناء على دراسة أجريت على الفئران، بأن يكون الحد الأقصى المسموح به لمادة (4-MEI) هو 29 ميكروجرام، في الوقت الذي تتراوح فيه كميته حاليّاً في مشروبات المشروبين ما بين 103 و 153 ميكروجرام. وعلى رغم أن هذا القرار يخص ولاية كاليفورنيا فقط، إلا أن الشركتين وجدتا أنه من الأسهل على صعيد التصنيع والإنتاج، تعميم خفض نسبة (4-MEI) في جميع الولايات الأميركية، مع بقاء نسبته كما هي عليه في الدول الأوروبية وبقية دول العالم. ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي تصطدم هذه الولاية الأميركية الواقعة على الشاطئ الشرقي للمحيط الهادئ بصناعة المشروبات الغازية، من خلال استخدام القوانين والتشريعات لإعادة رسم واقع ما يعرف بالأغذية السريعة، والتي يطلق عليها في كثير من الأحيان صفة الأغذية القمامة أو الزبالة (Junk Food). ففي منتصف سبتمبر عام 2005، وقع "آرنولد شوازينجر" حاكم الولاية حينها، قانوناً يمنع بيع وتقديم هذا النوع من الأغذية في المدارس الثانوية، في محاولة للحد من انتشار وباء السمنة بين الأطفال والمراهقين. وتضمنت حزمة القوانين تلك، بنداً ينص على السماح لطلاب المدارس بداية من عام 2007، فقط بشراء الماء، والحليب، والفواكه، وبعض المشروبات الرياضية منخفضة المحتوى في السكريات، من ماكينات الخدمة الذاتية الموجودة في طرقات وصالات مدارس الولاية. ويأتي هذا التنافر بين مسؤولي الصحة في ولاية كاليفورنيا وبقية أفراد المجتمع الطبي حول العالم، وبين صناعة المشروبات الغازية، بسبب تعدد وتنوع الآثار الصحية السلبية لتلك المشروبات، الناتجة غالباً عن مكوناتها الغذائية غير الصحية. حيث تتكون المشروبات الغازية في الغالب من مياه مكربنة -مذاب فيها غاز ثاني أوكسيد الكربون تحت الضغط- ومواد كيميائية مكسبة للطعم، وحمض الفوسفوريك، ومواد كيميائية حافظة، بالإضافة إلى كميات كبيرة من السكر العادي، أو من سكر "الفركتوز" الأرخص ثمناً، وكثيراً ما تحتوي أيضاً هذه المشروبات على كميات لا بأس بها من مادة الكافيين المنبهة. وبالنظر إلى هذه المواد والمركبات، لا تحتوي المشروبات الغازية على أية قيمة غذائية، اللهم إلا محتواها من السكر، الذي يعتبر في الحقيقة ضرراً أكثر منه قيمة. وبناء على توصيات الجهات الصحية بضرورة قصر كمية السكر المستهلك في جميع أنواع الأطعمة والمشروبات خلال اليوم الواحد على عشر ملاعق شاي بحد أقصى، نجد أن كثيراً من المشروبات الغازية تحتوي العلبة الواحدة منها على كمية أكبر من هذا الحد الأقصى المسموح به من السكر، للشخص البالغ السليم صحيّاً. ومما يزيد الطين بلة أن السكر المستخدم في غالبية المشروبات الغازية هو سكر "الفركتوز" المستخلص من الذرة (High-Fructose Corn Syrup)، وهو المتهم بالتسبب في حزمة من الآثار الصحية السلبية، مثل السكري، وارتفاع ضغط الدم، وفرط النشاط. وينتج عن تناول كميات كبيرة من سكر "الفركتوز" الموجود في المشروبات الغازية، أثر صحي سلبي آخر، غائب عن الوعي الصحي العام إلى حد كبير، وهو زيادة معدلات الإصابة بمرض النقرس، أحد أمراض التهابات المفاصل، حسب نتائج عدد من الدراسات الحديثة. وهذا المرض، الذي كان يعرف سابقاً بداء الملوك، زادت معدلات الإصابة به في الولايات المتحدة بمقدار الضعف خلال العقود القليلة الماضية، وهو ما ينطبق إلى حد كبير على بريطانيا أيضاً، التي شهدت تزايداً مستمراً في حالات الإصابة بالنقرس خلال الثلاثين عاماً الماضية. والملاحظ أن الفترة الزمنية التي شهدت زيادات هائلة في معدلات الإصابة بالنقرس بين شعوب ودول العالم قد تزامنت مع زيادة مماثلة في معدلات وحجم الاستهلاك للشخص من المشروبات الغازية. وغني عن الذكر هنا علاقة هذه المشروبات بزيادة الوزن واتساع نطاق ومدى وباء السمنة، وخصوصاً بين الأطفال. فتناول مشروب واحد من هذه المشروبات، يعادل تناول عدة ملاعق شاي من السكر الخالص، أو تناول عدد لا بأس به من الفواكه، على صعيد المحتوى من السعرات الحرارية، دون أن تحتوي على بقية القيمة الغذائية التي تحتويها الفواكه من ألياف، وفيتامينات، ومعادن ضرورية للجسم. ولن يتسع المقام هنا للتعرض لتأثير المشروبات الغازية على سلامة الأسنان، أو على قوة وصلابة العظام والتسبب في هشاشتها، أو على اضطرابات النوم والأرق، أو على ضغط الدم وصحة جدران الأوعية الدموية، ولكن يمكن اختصار جميع هذه الآثار في نظرة ترى أن تلك المشروبات هي مجرد جرعات محلاة من الأمراض والعلل.