كان القرنان الثالث والرابع الهجريان مشحونين بالمفارقات، بين صالحٍ وطالحٍ. نقول هذا في هذين العصرين، ليس غيرهما، بسبب أن رُقي بغداد الحضاري والعلمي فيها بلغ أعلى الدَّرجات إلى جانب وضع سياسي في أسفل الدَّركات. كانت مجالس المناظرات مفتوحة، وحركة الترجمة في عهد الخليفة عبد الله المأمون (ت 218 هـ) مكثفة عن السِّريانية واليونانية، وظهر المعتزلة تياراً فكرياً وثقافياً، ونضجت مقالاتهم العقلية، بعد أن كانت بسيطة عند التأسيس مِن قِبل واصل بن عطاء (ت 131 هـ). كذلك ظهر الفلاسفة الكبار، وبلغ أدب الجاحظ (ت 255 هـ) والتوحيدي (ت 414 هـ) الذَّروة، صاحبَ ذلك وجود فطاحل الشعراء والكتاب، وإجمالاً زخر القرنان بأسماء لامعة لا تعد ولا تحصى. وبالمقابل، بعد انقلاب جعفر المتوكل (قُتل 247 هـ) على النهج الثقافي الذي نهجه عمه المأمون ثم أبوه محمد المعتصم (ت 227 هـ) فأخوه هارون الواثق (ت 232 هـ)، صارت الخلافة أُلعوبة بيد موظفي الدَّار، وكثرت المجاعات والاضطرابات، ثم سيطرة السلطنة البويهية فالسلجوقية، واشتهر الوزراء مِن آل البريدي بالظُّلم والفساد، حتى أن أبا فرج الأصفهاني (ت 356 هـ) لام الخليفة الراضي (ت 329 هـ) لتوزيرهم: "يا سماءُ اسقُطي ويا أرضُ ميدي/قد تولَّى الوزارةَ ابـن البريدِي/جلَّ خطبٌ وحلَّ أمرٌ عضالٌ/وبـداءٍ أشـاب رأسَ الوليـدِ" (ذيل تاريخ الطبري). اقترن بوزارة آل البريدي ظهور لصوص وقطاع طرق، أبرزهم ابن حمدي (قُتل 323 هـ). خلافاً للصوص بغداد الحاليين، أصحاب الأذرع في السُّلطة، كان ابن حمدي ظريفاً يعطي مِن سرقاته للمحتاجين، على طريقة الإنجليزي روبن هود. قال أحد معاصريه قاضي بغداد أبي علي المُحَسَّن التَّنوخي (ت 384 هـ)، سامعاً مِن تاجر بغدادي: كان ابن حمدي يقطع الطُرقَ، وفيه فتوة وظرف، ولا يتعرض لأرباب البضائع اليسيرة، وما قيمته أقل مِن الألف درهم، وإذا أخذ مِن تاجر ضعيف يترك له قسماً مِن بضاعته، ولا يتعرض لمرأة ولا يسلبها (الفرج بعد الشدة). وكانت حجة ابن حمدي في لصوصيته ما قاله للتَّاجر الذي شكا له حاله عندما قطع عليه الطريق وسلب بضاعته: "يا هذا، الله بيننا وبين هذا السُّلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا في ما نفعله نرتكب أمراً أعظم مما يرتكبه السُّلطان". ومما قاله أيضاً: "إن ابن شيرزاد ببغداد يُصادر النَّاس ويفقرهم، حتى أنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج مِن حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصَّدقة"(المصدر نفسه). وزادَ ابن حمدي مبرراً للتَّجار لصوصيته وقطعه للطُّرق: إن أركان السُّلطة ببغداد "يأخذون أُصول الضِّياع والدُّور والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد، فأحسب نحن هنا مثل هؤلاء، وأن واحداً منهم صادرك". فرد التَّاجر قائلاً: "أعزك الله، ظُلم الظَّلمة لا يكون حجَّةً، والقبيح لا يكون سنةً، وإذا وقفتُ أنا وأنت بين يدي الله عزَّ وجلَّ أترضى أن يكون هذا جوابك له؟ فأطرق ملياً ولم أشك أنه يقتلني". فأعاد له نصف ما سُلب منه، (المصدر نفسه)! كان ابن شيرازد محمد بن يحيى كاتباً وصار وزيراً متنفذاً ببغداد. ويروي المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمد مسكويه (ت 421 هـ)، أن ابن شيرازد هذا قد تصالح مع اللص ابن حمدي، وجعله ضمن الجُند، على أن يدفع للوزير في كلِّ شهر جزءاً معلوماً مما يسرقه هو وأصحابه، وأخذ عليه تعهداً مكتوباً (تجارب الأمم وتعاقب الهمم). أما حال بغداد بوجود الوزير المتواطئ مع اللصوص والفاسدين، فكانت حسب ما يصفها المؤرخ ابن الأثير (ت 630 هـ): غلت الأسعار فيها، حتى بيع القفيز مِن الدقيق الخشكار (النَّخالة) بنيف وستين درهماً، وخبز الخشكار ثلاثة أرطال بدرهم، وبحسابات ذلك الزَّمان كانت غالية جداً، لا يطيقها عامة النَّاس. زامن تلك الشِّدة هطول أمطار غزيرة فهُدمت المنازل، فأخذ النَّاس يموتون تحت الهدم، وما يُهدم مِن البناء لا يجد مَن يُعيد إعماره، فتعطلت الحَمامات، التي كانت تشتهر بها بغداد، وأُغلقت الأسواق لقلة المشترين، وتفاقمت البطالة فليس هناك مَن يبني،(الكامل في التَّاريخ). وكثرت كبسات أصحاب ابن حمدي على المنازل، وأخذ النَّاس يتحارسون بالبوقات، ومع تلك الحال المؤلمة أَمن الوزير ابن شيرازد كبير اللصوص، وخلع عليه، وفرض عليه حصة مما يسرق. فعلق ابن الأثير قائلاً: "فعظم شره حينئذ وهذا لم يُسمع بمثله" (المصدر نفسه). أما كتاب "صلة الطبري" أو "ذيل الطَّبري" أو "تكملة الطَّبري"، وهو ما أُرخ وأُلحق بـ"تاريخ الأمم والملوك" بعد وفاة المؤرخ الطَّبري (ت 310 هـ) فيأتي اسم اللص مرة بابن حمدي وأخرى مصحفاً بـ"ابن حمدان"، الذي لم ينقذ النَّاس مِن لصوصيته إلا بعد تولي مدير شرطة جديد وهو أبو العباس الدَّيلمي فقبض عليه ووسطه، أي قطعه مِن الوسط "فخف عن النَّاس بعض المكاره بقتله"، (ذيل تاريخ الطَّبري). ابن حمدي كان لصاً وموظفاً رسمياً، فالوزير ابن شيرازد لحاكم بغداد بجكم (قُتل 329 هـ) له حصة مِن سرقاته، يستوفيها منه مقابل براءات وروزات (تجارب الأمم)، وتعني الوصولات الرَّسمية، أي هناك شراكة رسمية في اللصوصية، وعندما يكون موظف كبير على مستوى الوزارة بهذه المواصفات تصبح اللصوصية مشروعة، خصوصاً أن ابن حمدي كان مثبتاً في ديوان الجند، الذي هو بيد ابن شيرزاد أيضاً. لكن ما أن أخذ النَّاس بالشكوى وكثرت احتجاجاتهم حتى تغير ابن شيرازد الوزير والكاتب على ابن حمدي اللص، فتم قتله برأي الوزير نفسه، فحُمل إلى الجسر على جمل ونودي عليه: "هذا ابن حمدي اللص فعرفوه" (الصُّولي، كتاب الأوراق). لا تستغرب اختيارنا لابن حمدي عنواناً واللصوص كثرٌ، لكنه كان لصاً محمياً بالسُّلطة، وما بينه وبين الوزير ما قاله الفرزدق (ت 110 هـ): "وإن أبا الكِرشاء ليس بسارقٍ.. ولكنه ما يسرق القومُ يأكلُ"، (التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة). ولنا في مقتل ابن حمدي ونجاة الوزير ما قاله الحسن البصري (ت 110 هـ)، وهو يمرُّ على سارق تُقطع يده: "سارق العلانية يقطع يد سارق السرِّ". لو عاش ابن حمدي زماننا لصارت له فضائيات، وفساطيط، وحمايات، وقصور فارهات، وحدث عن النِّعمة الحرام بلا حرج!