شرع بنيامين نتنياهو بعد عودته من الولايات المتحدة في حرب أو ما يشبه الحرب على غزة، فبعدما خسر خيار الحرب على إيران، بسبب عدم تطابق الأجندتين الأميركية والإسرائيلية، أقله في الوقت الراهن، رأى نتنياهو أن يلتفت نحو غزة، فهناك حرب مرغوب فيها داخل ائتلافه الحكومي ضد القطاع، لكنها مؤجلة، إلا أنه قد يستنتج سريعاً أن عليه صرف النظر عن هذه الحرب أيضاً، ربما إلى حين، رغم أن لدى إسرائيل دوافع كثيرة لشنها. بين هذه الدوافع اختبار التحولات التي تمر بها حركة "حماس" صاحبة السيطرة على القطاع، لكن هناك خصوصاً استباق نهاية استحقاقات المرحلة الانتقالية في مصر، وكذلك اختبار ردود الفعل المصرية بشقيها المتمثلين بالمجلس العسكري والإسلاميين الذين باتوا يسيطرون على مجلسي الشعب والشورى وعلى الحكومة لاحقاً، وسيكون لهم تأثير مؤكد في اختيار رئيس الجمهورية المقبل. بررت إسرائيل غارات يومي الجمعة والسبت الماضيين بأن ثمة ثأراً لها على "لجان المقاومة الشعبية" التي تحملها مسؤولية هجمات في سيناء خلال أغسطس 2011 فضلاً عن هجمات أخرى "كانت تستعد" للقيام بها في فترة مقبلة، ولم تبرر استهدافها لـ"سرايا القدس" التابعة لحركة "الجهاد الإسلامي". وكما هو متوقع استدرجت الغارات عودة إلى إطلاق الصواريخ الذي استدرج بدوره غارات أخرى، وهكذا لم يعد يعرف مصير "التهدئة" أو "الهدنة" التي كانت "حماس" عقدتها مع الجانب الإسرائيلي في مفاوضات غير مباشرة، إلا أن ألوية "لجان المقاومة الشعبية" اعتبرت أخيراً أنها في "حل تام" منها بعد استهداف قادتها، بل ناشدت الفصائل كافة بما فيها "كتائب عزالدين القسام" التابعة لـ"حماس" الوقوف إلى جانبها. وفيما أظهرت "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لحركة "فتح" تضامنها بإطلاق عدد من الصواريخ على جنوب إسرائيل، التزمت "القسام" ضبط النفس رغم إعلانها أن "دماء الشهداء لن تذهب هدراً". لاشك أن الاختبار محرج لـ"حماس" ولا جديد فيه لأن إسرائيل خرقت دائماً اتفاقات "الهدنة"، ولم تعترف بأنها تلزمها الأحجام عن شن أي هجمات، لكن التوقيت يفاقم الإحراج، لأن "حماس" تمر بمرحلة انتقالية بين انهيار "معسكر الممانعة"، واضطرارها لمغادرة سوريا والتمايز عن إيران وبين تموضع آخر لم تتضح معالمه كلها ولم تستقر عليه بعد. وللمرة الأولى تبرز إلى العلن مواقف متباينة لجناحي الحركة في الداخل والخارج، فلكل منهما رؤية إلى دور "حماس" في المرحلة الآتية كما إلى المصالحة الفلسطينية والتنقيحات البراجماتية الواجب إخفاؤها على الخط والخطاب السياسيين حيال التسوية مع إسرائيل، ورغم حاجة الجناحين إلى بعضهما بعضاً واضطرارهما إلى التكامل، فإن الواقع يفرض نفسه على الوقائع وعلى الأشخاص، وبالتالي فإن الأزمة السورية ساهمت في إضعاف جناح الخارج، ما انعكس صعوداً لجناح الداخل. صحيح أن تبدل مواقع القوة لم يتحول إلى حال انشقاقية أو صراعية حادة، إلا أنها حال تحتم ضرورة حسم الخيارات تجنباً لمزيد من الزعزعة في أوضاع الحركة. في ظرف كهذا تجد "حماس" نفسها مضطرة للإنكفاء بعض الوقت كي ترتب بيتها الداخلي، إلا أن تصعيد التوتر إسرائيلياً وإلحاح استحقاق المصالحة مع "فتح" يستحثانها على توضيح خياراتها. من الواضح أنها لا تريد التخلي عن التهدئة مع إسرائيل، إلا أن شيئاً لا يضمن أن العدو سيبقى معنياً دائماً بمثل هذا الاتفاق الهش، وبالنسبة إليه طالما أن هناك صواريخ وأسلحة في القطاع فهذا كاف لإبقائه في حال تخطيط دائم للقضاء على احتمالات الخطر. يدرك هذا العدو أنه زج نفسه وحلفاءه الغربيين في أسر المقاطعة الكاملة لـ"حماس" ولا يعترف بأنه أخطأ أو بالغ في تضخيم إدعاءاته، ولم يتعلم شيئاً من "حرب غزة" قبل ثلاثة أعوام. ورغم أنه يستطيع أن يغلب واقعيته، كما فعل في "صفقة الأسرى مقابل الأسير"، إلا أنه ينتهز أي سانحة لتعزيز منطق الحرب ولا يهمه أن يساهم في بناء أي تجربة لتغليب منطق السلام. ذاك أن متطرفي إسرائيل الحاكمين لا يرون مصلحة لهم إلا بوجود متطرفي الجانب الآخر حتى لو لم يكونوا حاكمين. ربما أمكن وقف التصعيد الأخير، إلا إذا وجدت حكومة نتنياهو أنه ضروري لـ"توازنها" النفسي بعدما اتضح دولياً أن واشنطن أجبرتها على وقف جعجعتها الداخلية بشأن عمل عسكري ضد إيران، وعدا تعويض خسارتها لهذه المعركة مع حلفائها الغربيين، قد ترى إسرائيل أن التوتر في غزة ومواصلة الضغوط على السلطة الفلسطينية لاستئناف المفاوضات كفيلان بإحباط المساعي المستمرة لتحقيق المصالحة الفلسطينية، فإسرائيل تلعب على التناقضات كما لو أنها جزء من مكونات الساحة الفلسطينية.