الديمقراطية ليست فقط انتخابات تشريعية ورئاسية ومحلية وإنما هي ثقافة وحسن تنظير وتنظيم للمؤسسات وإلا بقيت الديمقراطية عرجاء تتهاوى مع مرور الزمن كما تتهاوى أوراق الخريف، فعندما أعلن زعماء قبائل وسياسيون ليبيون في مدينة بنغازي عن تأسيس إقليم فيدرالي اتحادي في منطقة "برقة" بشرق ليبيا بدون اتفاق وطني وفي غياب حكومة مركزية قوية ومؤسسات ديمقراطية يحترمها الخاص والعام، فإن ذلك سيكون مطية لكثير من التشرذم والتفرقة وغياب اللحمة المؤسساتية الجامعة، وسيؤدي بالبلاد والعباد إلى كثير من المصائب والويلات الآنية والمستقبلية... ولا أدل على ذلك من المسيرات التي تحركت في مدن ليبية عدة كالبيضاء وطرابلس وشحات ودرنة وطبرق، حاملة لافتات رافضة للإعلان الممزق للوحدة الوطنية "الفتية" وخاصة أن إقليم برقة يمتد من حدود مصر في الشرق إلى سرت غرباً. والحال أن الدعوات الرسمية المنادية بالرجوع إلى الحكمة والعقل لا تخرج في إطار نبذها لتأسيس الإقليم الفيدرالي الاتحادي عن ستة انتقادات أساسية: - أنها دعوات مبطنة ومبيتة لتقسيم ليبيا. - أنها خيانة لدماء شهداء ليبيا الذين ضحوا بالغالي والنفيس في سبيل القضاء على حكم القذافي. - قد يؤدي هذا إلى تفكيك البلاد وإحداث شرخ عظيم في جدار الوحدة. - أن إعادة توزيع الموارد النفطية بطريقة أحادية وغير مركزية وديمقراطية سيؤدي إلى حدوث خلل كبير في الاقتصاد الوطني وتوزيع الموارد على عدد السكان بشكل غير عادل وخاصة أن برقة فيها ما يزيد عن 60 في المئة من احتياطيات النفط ولا يسكنها إلا 25 في المئة من سكان البلاد. - كما أن الدعوة إلى نظام حكم فيدرالي ازدادت بسبب شعور أبناء المنطقة الشرقية بالتهميش لسنوات طويلة في عهد نظام القذافي وحصولهم على قسمة ضيزى من ثروتهم لفترة طويلة. - ولا ننسى أيضاً أن الإعلان عن هذه الفيدرالية الاتحادية تزامن وضعف الحكومة المركزية التي تتولى السلطة الحالية بعد الإطاحة بالقذافي. وهذه إجمالاً هي الانتقادات التي يبوح بها مسؤولون وخبراء في الشأن الليبي عن أسباب إعلان زعماء قبائل وسياسيين عن تأسيس "إقليم فيدرالي اتحادي" في منطقة برقة شرق ليبيا، ولكن دعونا نناقش بعلمية تداعيات هذا الإعلان. إن استقراء تجارب الأمم وتاريخ الدول يحيلنا إلى قاعدة مركزية في بناء الدولة ما بعد الاستعمار أو الدولة ما بعد انهيار النظام السلطوي أو الدكتاتوري، ألا وهي الوحدة الوطنية وقوة السلطة المركزية أولًا وقبل كل شيء، ثم بعد ذلك يمكن للسكان، وبعد تراض عام، اختيار النمط المناسب في الصفة الإدارية لجهات الدولة. إن الوحدة تشمل وحدة الدولة والوطن والتراب التي لا يمكن لأي فيدرالية (مثل ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية) أو جهوية متقدمة (كإسبانيا) أن تتم إلا في نطاقها، وليبيا اليوم لا زالت في صدد تثبيت الوحدة الوطنية في ظل تنامي الكثير من الخلافات والصدامات بين القبائل وظهور عدد كبير من التشكيلات المسلحة التي يحارب بعضها بعضاً، ولا ننسى أن الجيش لا يزال يعيش مرحلة التكوين. كما أن الوحدة يجب أن تشكل عاملاً أساسيّاً لتقوية الصفة الإدارية للدولة من جهوية موسعة أو فدرالية أو غير ذلك، وعاملاً لتقوية الاندماج الاقتصادي والاجتماعي لأن أحد أسباب وجودها هو المساهمة بشكل حاسم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلد، وفي الاستثمار الأمثل للمؤهلات والموارد الذاتية لكل جهة واستنهاض همم مختلف الفاعلين المحليين، والمشاركة في تصور وإنجاز المشاريع المهيكلة الكبرى وتقوية جاذبية الكيانات الترابية للبلد عن طريق: - تعزيز روح المبادرة وتحرير الطاقات الخلاقة لدى المواطنين والمواطنات ولدى منتخبيهم. - القضاء على العراقيل والعوائق البيروقراطية ومعالجة سلبياتها. - تجذير قواعد القرب بين الإدارة والمواطن وتضافر الجهود بين القطاعات وأخذ البعد الترابي بعين الاعتبار في السياسات العمومية وفي تدخلات الدولة والجماعات الترابية، بغية الرفع من نجاعة السياسات العمومية وتسيير الشأن العام. - تقوية المناخ الديمقراطي وتوسيع نطاق الممارسة التشاركية بما يتلاءم والحكامة الجيدة ويغذي روح المسؤولية ويعمم إلزامية تقديم الحساب من طرف المصالح الإدارية وموظفي الدولة والمنتخبين على جميع المستويات... أما القول إن برقة عانت من الحكم الجائر للقذافي وقد حان موعد رد الحقوق إلى أهلها وإعلان طلاق بائن مع السلطة المركزية، فهذا قول يخالف المعقول في أدبيات بناء دول ما بعد الاستعمار ودول ما بعد الأنظمة السلطوية، وقد يدخل البلاد في مرحلة خطيرة جدّاً لن تحمد عقباها، صحيح أن ليبيا ظلت تدار على أسس فيدرالية نحو عشر سنوات بعد استقلالها عام 1951، كما نقلت السلطات إلى برقة شرقاً وإقليم فزان في الجنوب وإلى طرابلس في الغرب، وأصبحت ليبيا حكومة مركزية في أواخر سنوات حكم الملك إدريس السنوسي الذي تلاه القذافي عندما وصل إلى السلطة بعد انقلابه العسكري لسنة 1969، ولكنها اليوم تختلف تماماً عن ليبيا خمسينيات القرن الماضي، من حيث عدد السكان ومن حيث الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية. إن أولى الأولويات اليوم ينبغي أن تكون تحقيق الوحدة الترابية والوطنية التي انطلاقاً من وجودها يمكن تصور كيانات جهوية بناء على استفتاءات وانتخابات تكون تأكيداً ديمقراطيّاً للتميز الليبي الغني بتنوع روافده القبلية والمجالية المنصهرة في هوية وطنية موحدة، ثم فيما بعد، على تلك الكيانات الالتزام بالتضامن، إذ لا ينبغي اختزال الجهوية مثلاً في مجرد توزيع جديد للسلطات بين المركز والجهات، ثم ثالثاً يجب اعتماد التناسق والتوازن في الصلاحيات والإمكانات وتفادي تداخل الاختصاصات أو تضاربها بين مختلف الجماعات الترابية والسلطات والمؤسسات، ثم أخيراً ترسيخ أسس الحكامة الترابية الناجعة والمقاربة الترابية العقلانية والواقعية.