لا شك أن ما ينقص بعض المؤسسات الإعلامية هي الإدارة الخبيرة والمدركة لخطورة الإعلام وأهميته. فالجرّاح له الأهمية ذاتها التي ينبغي أن تكون لدى الإعلامي الحاذق والمهني المحترف، فجِراح الفكر كثيرة وأمراضه أكثر، لذلك كان من الضرورة بمكان أن تصبح هناك معالجة واعية وذكية. وبإمكان استخدام أدوات الفكر الإعلامي ونظرياته في إدارة الكثير من القضايا، التي تنتشر في المجتمع بفعل الإعلام التكنولوجي الحديث المتمثل في شبكات التواصل الاجتماعي. لكن هناك بعض القضايا التي تأخذ بعداً غريباً، ويتم أحياناً تضخيم النقاش فيها بطريقة غير مبررة، ولكن سوء إدارة الأزمات والقضايا وطرق تفعيلها أو إخماد جذوتها، جعل هناك تضارباً واضحاً، مما يجعل الحقائق تتوه، وسط سجالات بلا أهمية، بل ربما كان تأثيرها عكسياً على المسألة أو القضية محل السجال. فعقلية السبعينيات في حل الأزمات أو في طريقة عرضها، مازالت مسيطرة على الكثير من الذهنيات القائمة على وسائل الإعلام، فإستراتيجية المواجهة الاستباقية غائبة، ناهيك عن استراتيجيات عديدة غائبة بشكل كلي، وهذا أمر يجعل تناول القضايا الاجتماعية غاية في الركاكة، وبالتدريج تفقد الجهة أو المؤسسة مصداقيتها، مما يجعلها تغرق في أزمات ومشاكل لا تستطيع تفكيك عقدتها. وهو ما يمكن قياسه على عدد من القضايا، التي تم التعاطي معها بشكل استدعى زيادة آثارها الجانبية، وقد وقعت في هذا الزلل مؤسسات إعلامية أيضاً، مما ألحق ضرراً بإسمها وتسبب في تأخير معالجة بعض المشاكل، بدلاً من دورها الذي يفترض به أن يكون صوت الناس ونبضاً لحياتهم وآلامهم. في دولة كالولايات المتحدة يتم تدريب حتى أصغر الساسة، على كيفية التعامل مع الإعلام، ويتم تلقينهم دروساً حول لغة الجسد ونبرة الصوت وطريقة ارتداء الملابس، وكلها تفاصيل تسهم في نجاح دور أنيط به، وتدرك المؤسسات الإعلامية هذه الحقيقة تمام الإدراك، وتتعامل هي كذلك مع اللعبة ذاتها بمهنية وحرفية عالية لتحقق في النهاية خططها المرجوة. والأمر ليس صعباً أبداً، إنها فقط عملية فهم للعمل الإعلامي، ودوره واستيعاب خطورة كل كلمة، وكل حرف حتى وإن كان حرف جر! ينقص البعض الدراية في إدارة القضايا والخبرة في معرفة في ماذا يفكر الآخرون، وكيف والأمر لا يحتاج أكثر من استدعاء لعلوم استفاضت في شرح مثل هذه الأمور، وصارت مرجعاً للراغبين في تطوير مهنيتهم ومواقعهم القيادية. ومعرفة حقيقة أن الإعلام سلاح له أكثر من حد، والجهل بهذه الحقيقة له عواقب، ويثير ضجة، ولا يمكن توقع ما قد يسفر عنه من نتائج. لذا كان المهم أن نقرأ معطيات الواقع بتمعن، وعلى أساسه تنطلق استراتيجية ممنهجة تخدم القضية، وتنقذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يتعرض الإعلام لأزمات غريبة.