خرج الصراع الصامت بين مشيخة الأزهر وجماعة "الإخوان المسلمين" إلى العلن إثر اعتراض البرلمان الجديد على قانون الأزهر الذي أعده "الإمام الأكبر أحمد الطيب" بعد الثورة. ومن حسنات قانون الأزهر الجديد تكريس استقلال هذه المؤسسة السُنية العريقة عن السلطة التنفيذية وتعزيز موقع كبار العلماء في اختيار القائم عليها وتسيير شؤونها، مما كان يشكل مطلباً قديماً لعلماء الأزهر.ولا يمكن عزل هذا الجدل حول قانون الأزهر عن جدل آخر لا يقل حدة خلفته وثيقة الدولة المدنية التي أصدرها الشيخ أحمد الطيب منذ أشهر، ونالت إجماعاً واسعاً في الحقل السياسي المصري. في تونس جدل مماثل في المجلس التأسيسي حول منزلة الشريعة الإسلامية في الدستور الذي يعد حالياً، حيث برز رأيان متباينان:ذهب أحدهما إلى الاكتفاء بالنص القديم الذي يحدد الإسلام ديناً للدولة، وذهب الآخر إلى ضرورة تقنين الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع مع وضع الآليات المؤسسية لهذا التقنين. في الحالتين، نحن أمام الإشكال ذاته المتعلق بطبيعة المؤسسة الدينية ودورها في المجال العمومي، بعد أن وصلت أحزاب ذات مرجعية إسلامية إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع. السؤال المطروح هنا يتجاوز الأبعاد الأيديولوجية وإشكالات الشرعية، ويتعلق برهانات علمية ومجتمعية شديدة الأهمية تتصل بتدبير الحقل الديني في مقوماته التعبدية والتعليمية وأطره المرجعية. ويمكن أن نوزع هذا السؤال على إشكالين رئيسيين هما:من يتمتع اليوم بصناعة الفقه تأسيساً وصياغة وتداولًا؟ ومن يتمتع اليوم بسلطة المشروعية الدينية إفتاء وإرشاداً؟ في الحالتين يتعين التنبيه إلى أن المؤسسة الدينية التقليدية أصبحت عاجزة عن احتكار صناعة الفقه وصناعة الفتوى لسببين رئيسيين هما من جهة انهيار نظمها التربوية وتراجعها العلمي، ومن جهة أخرى دخول فاعلين جدد في الحقل الديني أبرزهم تيارات الإسلام السياسي التي تنازعها المشروعية وتتفوق عليها في الأداء التعبوي والبنية المؤسسية. بخصوص صناعة الفقه، من البديهي أن الشبكة التأويلية الإسلامية الوسيطة لم تعد قادرة على استيعاب واقع المجتمعات المسلمة. إنها الملاحظة التي توقف عندها الإصلاحيون النهضويون منذ منتصف القرن التاسع عشر. ولقد تتالت مشاريع ترميم وترقيع المدونة الأصولية منذ الإمام محمد عبده إلى اليوم في اتجاهات ثلاثة هي: - التوسع في آليات الاستثمار الاستدلالي للنص الديني من استصلاح واستحسان واستقراء برهاني، والتركيز على الأطروحة المقاصدية أفقاً للتجديد والاجتهاد. - الانفتاح المحدود على أدوات العلوم الإنسانية في إثراء المنهجية التأويلية الأصولية، مما اختصت به مدرسة "إسلامية المعرفة". - الانفتاح على بعض الروافد التراثية التي كانت مقصية من التقليد الأصولي أو مهمشة فيه، مثل الحنبلية التيمية والظاهرية الحزمية والزيدية الشوكانية. بيد أن هذه المحاولات لم تصل لحد بلورة منهجية أصولية جديدة وشاملة، مما انعكس في صناعة الفتوى التي سلكت في الغالب مسلك التأليف والانتقاء طلباً للتيسير وتكيفاً مع أوضاع ضاغطة (ترجيح الأقوال الضعيفة وتجاوز الانتماء المذهبي وبعث الأقوال المهجورة والشاذة). نتجت عن هذا المسلك تيارات فقهية جديدة من أشهر تسميتاها "مدرسة فقه الأقليات" و"مدرسة فقه الأولويات".. ومع أن صناعة الفقه خرجت منذ أمد طويل عن قبضة المؤسسة الدينية الرسمية حتى لو لم تخرج عن سلطة النسق التأويلي التراثي في مرجعيته الكلية الضابطة، فإن أنظمة الحكم اتجهت غالباً إلى تقنين سلطة الإفتاء من خلال مؤسسات تابعة باعتبار الأثر العملي للفتوى وتداخلها مع مقتضيات السيادة والتشريع والقضاء. بيد أن العلاقة العضوية بين دائرتي الفقه والفتوى انعكست على حالة الإفتاء التي غدت تتسم بالفوضوية وخرجت تدريجياً عن نطاق التحكم، مما تطلب في بعض البلدان وضع روادع صارمة لتنظيم هذه المهمة التي يتداخل فيها المعرفي والإجرائي العملي. والوضع اليوم يتلخص في أن تعددية الحقل الديني تحول دون تشكل سلطة مؤسسية لصناعة الفقه (التي هي في الأساس مسؤولية علمية) وصناعة الفتوى التي لها تأثيرات وتطبيقات بديهية على حياة الأفراد والمجموعات. والمعروف أن البناء المؤسسي هش في نظام التدبير الديني الإسلامي، خصوصاً في الوسط السُني الذي هو سواد المسلمين. لقد بينت دراسات أنثربولوجيا الفقه الإسلامي (جيرتس وطلال أسد وديبريه ..) أن النسق الفقهي، هو في أحد جوانبه الرئيسية سجل دلالي تنظر فيه المجتمعات لنفسها وتعالج أوضاعها الراهنة بأدواته التمثلية، حتى ولو اتسم بصبغة تراثية قديمة. فالدلالة المعيارية الفقهية (الحكم الشرعي)، هي نتاج نسق مبني يشكل هياكل دلالية منسجمة ونتاج صياغة بعدية تتطلبها فاعليته الشرعية، فهي إثر إطار مرجعي سابق يعاد بناؤه ولا يكتسب فاعليته إلا بالقيمة التأويلية الراهنة الممنوحة له، فالمضمون هنا أقل أهمية من أنماط تشكله. وإذا كان الفقيه حريصاً كل الحرص على التقيد بالسلطة المرجعية التراثية، إلا أن العودة لنقطة الارتكاز في الماضي ممتنعة. وكما يقول المؤرخ الفرنسي بول فاين "إن الأصول توجد دوماً في الحاضر اليومي"، فما نجده في بحثنا عنها هو رهانات الحال التي نرغب في إضفاء سلطة الماضي عليها. ولقد كانت المنظومات الأصولية الوسيطة نفسها صياغة منهجية بعدية لممارسة فقهية قائمة، أكثر من كونها منهجية لاستيفاء دلالة النص الشرعي أو استخراج الأحكام التكليفية. ولذا من الخلف اليوم محاولة إعادة بناء النسق الأصولي خارج صناعة الفتوى الميدانية وبمعزل عن التنظيم المؤسسي للحقل الديني. كان المفكر القانوني التونسي الراحل "محمد الشرفي" قد دعا في كتابه "الإسلام والحرية" إلى تقنين سلطة مستقلة للفقه والإفتاء بمعزل عن السلط الدستورية الثلاث، ضماناً لاستقلال الحقل الديني ورعاية له، وحفظاً من شتى أنواع الاستغلال السياسي والإيديولوجي. ولا شك أن مقترح "الشرفي" الذي اعتبر أنه يضمن تجاوز إشكال علمنة الدولة أصبح اليوم حاجة حيوية في ظل التجاذب المتزايد حول رهانات الشرعية الدينية للدولة وجهات الاختصاص بتأويل الدين وصناعة الفقه والفتوى.