كانت سوريا خلال الأيام الماضية الأخيرة وجهة لمسؤولين دوليين حاولا استجلاء المواقف والأفكار والوقوف على حقيقة ما يحدث هناك. فقد وصل كوفي عنان، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى دمشق واجتمع بالرئيس السوري يوم السبت الماضي. وسبقته يوم الأربعاء مسؤولة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة فاليري آموس التي قامت بمهمة دامت ثلاثة أيام، التقت خلالها المسؤولين السوريين، كما زارت حي بابا عمرو في حمص وتفقدت الدمار الذي خلفته العمليات العسكرية بالمدينة، لتعلن من أنقرة، أول من أمس السبت، أنها توصلت إلى اتفاق مع الحكومة السورية على تشكيل "بعثة تقييم إنساني أولية" في مناطق النزاع والمناطق التي يحتاج سكانها إلى مساعدة عاجلة، وهو الهدف المعلن لمهمة المسؤولة الدولية قبل انطلاقها بعدة أيام، عندما رفضت السلطات السورية السماح لها بدخول البلاد لإعداد تقييم أولي ومحاولة إقناع دمشق بالسماح لعمال الإغاثة بتقديم المساعدات دون عقبات للمدنيين المحتاجين. لكن من هي آموس؟ وهل ستستطيع الوصول إلى مناطق المواجهات وضحاياها في كل مكان من سوريا؟ وما الدور الذي يمكن أن تعلبه في تعظيم إمكانات الحل السياسي للأزمة السورية؟ تتمتع السياسية والناشطة البريطانية فاليري آموس بتاريخ طويل من العمل في مجال الإغاثة والنشاط التطوعي والنضال في سبيل المساواة وتكافؤ الفرص في مجتمعها. وقبل أن تشغل منصبها الحالي في الأمم المتحدة، كانت وزيرة لشؤون التنمية الدولية، ثم رئيسة لمجلس اللوردات، كما تولت منصب المفوض السامي البريطاني في أستراليا. وبالإضافة إلى وظائف أخرى عديدة شغلتها، فهي عضو في الكثير من الهيئات واللجان، البريطانية والأوروبية والعالمية، العاملة في مجالات التعليم والصحة والنشاط التطوعي. وقد ولدت فاليري آموس عام 1954 في غيانا الواقعة على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية، حين كانت مستعمرة بريطانية قبل أن تنال استقلالها عام 1966. وتعلمت في المدرسة الفنية للبنات، ثم درست في جامعة وارويك، وجامعة برمنجهام، ثم جامعة إيست انجليا، وحصلت على الأستاذية الفخرية من جامعة وادي التايمز عام 1995 تقديراً لعملها في مجال المساواة والعدالة الاجتماعية، كما حصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من عدة جامعات بريطانية وأوروبية، للسبب ذاته تقريباً. وبعد سنوات من العمل الأهلي في مجالات تكافؤ الفرص والتدريب، ثم الخدمات الإدارية في الحكومات المحلية لمدن لندن ولامبث وهاكني، أصبحت آموس الرئيس التنفيذي للجنة تكافؤ الفرص بين عامي 1989 و1994. وفي العام التالي عملت مستشاراً لدى حكومة جنوب أفريقيا حيث شاركت في تأسيس بعض الهيئات العاملة في مجال الخدمة العامة وإصلاح المجتمع والمساواة في العمل. ومن المواقع الأخرى التي شغلتها آموس، عملها نائباً لرئيس صندوق "رونيميد" بين عامي 1990 و1998، وعضواً في مجلس أمناء بحوث السياسات العامة بالصندوق، ونائباً لمدير كلية جامعة لندن مسؤولاً عن الخدمات التطوعية في الخارج، ومديراً لمسرح "هامبستيد"، ورئيساً لمجلس إدارة الكلية الملكية للتمريض. وفي عام 1997 أصبحت آموس بارونة عضواً في مجلس اللوردات، وشاركت في اختيار أعضاء اللجنة الفرعية للمجتمعات الأوروبية المعنية بالشؤون الاجتماعية وقضايا التربية والتعليم والصحة والمشكلات الداخلية في عام 1998. وفي الفترة بين عامي 1998 و2001 كانت صوت الحكومة في مجلس اللوردات، وكانت المتحدث الرسمي حول قضايا الضمان الصحي والتنمية الدولية وقضايا المرأة، كما كانت أحد المتحدثين الرسميين في مجلس اللوردات حول الشؤون الخارجية وقضايا الكومنولث. ثم كانت مسؤولة المجلس حول قضايا أفريقيا والكاريبي، وشؤون الموظفين في الخدمة الخارجية. ودخلت آموس الحكومة لأول مرة عام 2003، فأصبحت وزيرة لشؤون التنمية الدولية، خلفاً لكلير شورت التي استقالت من منصبها احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في الغزو الأميركي للعراق. لكن آموس لم تمض في هذا المنصب أكثر من ستة أشهر حيث توفي رئيس مجلس اللوردات ويليامز موستين في أكتوبر 2003، فحلت محله في منصبه. وفي فبراير 2005 رشحت حكومة بلير البارونة آموس لرئاسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لكنها لم توفق. ثم بعد تسلمه رئاسة الحكومة من بلير في يونيو 2007، قام براون بمساع لاختيار آموس كممثلة خاصة للاتحاد الأوروبي لدى الاتحاد الأفريقي، لكن المنصب ذهب إلى البلجيكي فرفي كوين بدلاً منها. إلا أنها أصبحت عضواً في لجنة عضوية الكومنولث التي قدمت تقريرها بشأن التغييرات المحتملة في معايير العضوية، إلى اجتماع القادة في كامبالا بأوغندا عام 2007. وفي أكتوبر 2008 أصبحت آموس عضواً في مجلس إدارة اتحاد كرة القدم المعني بمحاولة إنجلترا استضافة كأس العالم لعام 2018، ووصفت قرار اختيارها لعضوية المجلس بأنه "تعيين مفاجئ"، كونها ليست ذات سجل في كرة القدم ولا تملك أي خبرة في مجال مماثل. ومن تلك المناصب والمسؤوليات الكثيرة، انطلقت البارونة آموس إلى أستراليا عام 2009 حين تم تعيينها مفوضاً سامياً لبريطانيا في كانبيرا بدلاً من المفوض السامي "ليدل هيلين". وفي العام التالي اختارها بان كي مون ممثلته للشؤون الإنسانية ومنسقة الإغاثة الطارئة في منظمة الأمم المتحدة. ورغم مهماتها السابقة في الصومال وباكستان والكونجو الديمقراطي وهايتي... فإن الحالة الراهنة في سوريا ربما تمثل الاختبار الأكثر جدية لكفاءتها في مجال التدخل الإنساني والإغاثة الطارئة. وما تريده آموس في سوريا، وفقاً لتصريحاتها المنشورة، هو إيجاد ترتيب يتيح وصول المساعدة الإنسانية بانتظام، وتأمين دخول منظمات الإغاثة التي منعت من دخول مناطق القتال العنيف. لكن صدمتها في حمص جراء الدمار الذي أصاب حي بابا عمرو وقد خلا كلياً من سكانه، ربما غيّرت لديها سقف طموحات التدخل الإنساني في الأزمة السورية. ورغم التفاهم الذي توصلت إليه مع وزير الخارجية، وليد المعلم، على آلية لإدخال المساعدات الإنسانية، فإن الأولويات الأمنية للحكومة السورية، ومنها إعادة إخضاع المناطق المنتفضة في حمص وحماه ودرعا وأدلب وريف دمشق... ستكون صخرة بابا عمرو التي تتحطم عليها أية أولويات أخرى، سياسية أو إنسانية، حول التدخل الإغاثي. وكما نعلم فهذا الأخير هو ما يمثل صلب مهمة البارونة آموس في سوريا، ولا شيء آخر غيره في التشابكات السياسية والأمنية، المحلية والإقليمية والدولية... للأزمة السورية! محمد ولد المنى