سلط مؤتمر جراحة وزراعة الكبد الذي نظمته الأسبوع الماضي كلية الطب بجامعة الإمارات بالتعاون مع مستشفى توام الضوء على الوضع المحلي فيما يتعلق بزراعة الكبد، حيث قدر العلماء والمتخصصون وجود 300 مريض في حاجة إلى زراعة كبد، ضمن 1500 مريض تحتاج البقية الباقية منهم إلى زراعة كلية، أو رئة، أو قلب، أو بنكرياس. وبحسب ما ذكره الأطباء والاستشاريون المشاركون في المؤتمر فقد أجرى 200 مواطن عمليات زراعة كبد خارج الدولة، بتكلفة قدرها 292 مليون درهم، يتابع 120 منهم حاليّاً علاجهم بمستشفيات أبوظبي. وتعتبر زراعة الكبد، أو بشكل أدق نقل الكبد، هي الملاذ الأخير في حالات الفشل الحاد أو المزمن للكبد في تأدية وظائفه، الأيضية أو الحيوية أو الفسيولوجية. وينتج الفشل الحاد للكبد عن حالات العدوى الحادة بفيروسات (A) أو (B)، أو نتيجة تعاطي جرعة هائلة من عقار الباراسيتامول، أو كعرض جانبي لبعض الأدوية مثل التيتراسيكلين، أو بسبب تناول كميات كبيرة من الكحوليات دفعة واحدة، وفي بعض الحالات الأخرى وإن كانت نسبة لا يستهان بها من حالات فشل الكبد الحاد تظل دون سبب واضح أو معروف. أما فشل الكبد المزمن الذي يترافق غالباً بتليُّفه، فتتنوع وتتعدد أسبابه هو الآخر، وإن كان أهمها هو إدمان شرب الكحوليات بكميات كبيرة لفترة طويلة من الزمن، والعدوى بفيروسات الكبد (B) و (C)، وفي بعض الأمراض الأيضية المتعلقة بالعمليات الكيميائية داخل الجسم، أو بعض الأمراض الوراثية، أو بعض الاختلالات المناعية، أو نتيجة لارتفاع تركيزات الحديد في الجسم بدرجات هائلة، كما في حالات مرضى الثلاسيميا الذين يحتاجون إلى نقل كميات كبيرة من الدم بشكل متكرر خلال مراحل عمرهم المختلفة. ويتعرض الكبد للفشل المزمن أيضاً ضمن الحالة المعروفة بالكبد الدهني، التي بخلاف فرط تناول الكحوليات، ترتبط بشكل وثيق بالسمنة، وزيادة مقاومة الجسم للأنسولين، وما يعرف بالمنظومة الأيضية التي تتضمن الإصابة بداء السكري، وارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات الدهون في الدم، والسمنة المركزية، وغيرها من الاختلالات الحيوية. وبخلاف داء السكري، والمنظومة الأيضية، المرتبطان ببعضهما بعضاً ارتباطاً شديداً، والمنتشران في دول الخليج والمنطقة العربية بشكل واسع، يعتبر التهاب الكبد بفيروس (C) من أهم أسباب فشل وتليف الكبد المزمن على المستوى الإقليمي. وتقع غالبية حالات العدوى بفيروس (C) عن طريق الدم الملوث، إما أثناء عمليات نقل الدم، أو خلال التدخلات الجراحية التي تحتاج إلى الحقن، إن لم يتم اتباع طرق التعقيم المناسبة. ويظل حقن المخدرات بين المدمنين باستخدام حقن ملوثة إحدى الطرق الرئيسية لانتقال هذا الفيروس من شخص إلى آخر. ويمكن لفيروس (C) أن ينتقل عن طريق الاتصال الجنسي، وإن كان هذا الطريق أقل انتشاراً بدرجة كبيرة. وعلى عكس فيروسي (A) و (B)، لا يتوافر تطعيم ضد فيروس (C)، وهو ما يضفي على هذا الفيروس خطراً خاصّاً، في ظل كون سبيل الوقاية الوحيد المتاح ضده يتمثل في تجنب دماء، وبقية السوائل الحيوية، من الأشخاص المصابين به. وبوجه عام، وبغض النظر عن السبب، يعتبر فشل وتليف الكبد المزمن من أكثر أسباب الوفيات حول العالم، حيث يحتل المركز العاشر بين الذكور، والثاني عشر بين الإناث، على قائمة أسباب الوفيات في الولايات المتحدة مثلاً، متسبباً بذلك في حوالي 27 ألف وفاة سنويّاً. وبخلاف هذا الثمن الإنساني الفادح، يحمل فشل وتليف الكبد المزمن ثمناً اقتصاديّاً باهظاً، يتمثل في تكلفة العلاج بالأدوية والعقاقير، أو العلاج داخل المستشفيات، بالإضافة إلى فقدان الإنتاجية وفاقد القوى البشرية الذي لا يقدر بثمن. وتعود هذه المكانة المتقدمة لفشل الكبد المزمن على قائمة الوفيات، إلى حقيقة أن الوفيات بين المصابين بتليُّف الكبد تصل إلى ما بين 34 و 66 في المئة خلال عشر سنوات من بداية الإصابة، وترتبط نسبة الوفيات الفعلية بسبب التليف من الأساس، حيث ترتفع مثلًا مع التليف الناتج عن فرط تناول الكحوليات، مقارنة مثلًا بالتليف الناتج عن التهاب الكبد. ولا يدرك الأطباء بشكل كامل حتى الآن الأسباب الثانوية التي تسرع أو تبطئ من تليف الكبد، وإن كان تواجد أكثر من سبب رئيسي للتليف في الوقت نفسه، مثل فرط تناول الكحوليات والعدوى الفيروسية معاً، يسرع بشكل كبير من تليف الكبد ووصوله إلى نقطة النهاية المتمثلة في الفشل التام. ويعتمد علاج فشل الكبد في أساسه على وقف -أو على الأقل تأجيل- حدوث المزيد من التلف، حيث لم يتمكن الطب الحديث الآن من إصلاح أو عكس ما وقع من تلف بالفعل. وفي الحالات المتقدمة أو النهائية من المرض، يعتبر نقل وزراعة الكبد هو الخيار الوحيد للاستمرار على قيد الحياة. وهذا الخيار مثل بقية خيارات نقل وزراعة الأعضاء يحد من مدى تطبيقه واستخدامه، النقص الحاد في المتوافر من أكباد صالحة للزراعة، والارتفاع الهائل في تكلفة عمليات الزراعة، وما بعدها من علاج التي تصل إلى مئات الألوف من الدولارات، كما أن هناك احتمالات رفض الجسم للكبد المنقول، وما يتطلبه ذلك من تثبيط جهاز المناعة مع ما ينتج عنه من مشاكل متعددة.