الأزمة السورية في نفق "التصعيد"... و"الطبقة المبدعة" تواجه بوتين الجديد استمرار جموح الأزمة السورية، وتحديات رئاسة بوتين الجديدة، وافتراق مقاربتي أوباما ونتنياهو لطريقة التعامل مع الملف النووي الإيراني، ثلاثة موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. تفاقم الأزمة السورية تحت عنوان: "بوتين... السند الأخير" كتب بيير روسلين افتتاحية في صحيفة لوفيغارو قال فيها إن الحال في سوريا الآن، بعد مرور سنة على الاحتجاجات المناهضة لنظام الأسد، قد دخل مرحلة من الصراع العنيف غير مسبوقة، ولا تبدو في الأفق حتى الآن نهاية واضحة لما يجري من قتل وقمع تمارسه قوات النظام السوري ضد المعارضين، ولعل ما يزيد دواعي القلق والتشاؤم أن أي طرف دولي لا يبدو الآن في وارد فرض رؤية أو حل لهذه الأزمة الدامية. وفي هذه الأثناء تزداد العزلة المطبقة التي يرزح في إسارها نظام الأسد، المنكفئ على نفسه اليوم ضمن دائرة تزداد ضيقاً باستمرار وتكاد الأدوار المؤثرة في اتخاذ قراراتها تكون مقتصرة على الأسد نفسه وبعض أقاربه ومساعديه. ويبدو أن النظام ما زال يراهن على إمكانية كسب الرهان من خلال التعويل على الحل الأمني وحده، والقوة الغاشمة القصوى العمياء دون غيرها. أما الهوة السحيقة التي يدفع بشعبه في أتونها فالظاهر أنها هي آخر ما يفكر فيه، يقول الكاتب. ولهذا فإن جميع ما طرح من مبادرات وحلول تهدئة لا يبدو كافيّاً بما في ذلك الدعوة إلى تأمين ممرات إنسانية لإيصال المساعدات، أو فرض منطقة حظر، أو حتى قصف جوي عسكري لمواقع تمركز قوات النظام، كما اقترح ذلك مؤخراً السيناتور الأميركي "جون ماكين". وحتى في الدول الغربية التي اتخذت مواقف صارمة تجاه نظام الأسد، ومنذ اللحظات الأولى، لا يبدو أنها هي أيضاً تفكر في أي خيار غير اتباع طريق الحلول الدبلوماسية. ولعل بارقة الأمل المتبقية الآن هي جهود الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، الذي يسعى في جولته الراهنة إلى التفاوض من أجل إقناع الأطراف السياسية المعنية بعملية انتقال سياسي متوافق عليها. وأمله الوحيد في تحقيق اختراق في جمود هذه الأزمة المعقدة يكمن في إمكانية إقناع روسيا بممارسة الضغط المناسب على بشار الأسد. ومن الواضح أن فلاديمير بوتين يستفيد الآن في مقاربته للأزمة من العجز الغربي. ومع عودته إلى مقدمة الصورة مجدداً يستطيع سيد الكريملن الجديد- القديم، أن يظهر مهاراته في اللعب بهذه الورقة. ولاية بوتين الأخيرة صحيفة لوموند خصصت افتتاحية بهذا العنوان لاستشراف عناوين المرحلة المقبلة في روسيا بعد فوز بوتين بالرئاسة مجدداً، مشيرة في هذا السياق إلى أنه لم يغادر الكريملن أصلاً خلال السنوات الماضية، حيث ظل قريباً من صناعة القرار بحكم علاقته السياسية الخاصة مع حليفه مدفيدف، الرئيس المنتهية ولايته الآن، الذي عاد لتبادل المواقع مرة أخرى مع بوتين. غير أن المزاعم المتعلقة باختلالات شابت نزاهة الانتخابات ستكون لها آثار سلبية على الشعبية الداخلية لـ"الزعيم الوطني"، كما يلقب بوتين، وخاصة في صفوف الطبقة الوسطى الروسية، التي تمثل ثلث السكان. وهي الطبقة التي لعبت الدور الأكبر في التظاهرات الاحتجاجية الروسية خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة، مؤكدة بذلك رفضها لما تسميه "الديمقراطية الموجهة". والمفارقة أن هذه الطبقة الوسطى الصاعدة، التي تعرف في روسيا باسم "الطبقة المبدعة"، إنما ظهرت وتعزز حضورها أصلاً خلال فترة الازدهار الاقتصادي في "سنوات بوتين" الأولى. وقد بدأ وعيها وحضورها يزدادان زخماً بشكل واضح مدفوعة في ذلك بالانفتاح واتساع المعرفة بالعالم الخارجي عن طريق الأسفار ودردشات الإنترنت، والنقاشات العامة في المقاهي والفضاءات الحضرية المفتوحة. وضمن نشطاء هذه الطبقة الوسطى الروسية الصاعدة الآن يقول كثيرون إنهم قد تعبوا من التسيير غير الفعال والفاسد الذي تشرف عليه النخبة السياسية- العسكرية الحاكمة. وأكثر من هذا فإن الشباب الحضري متعطش أصلاً للتغيير. فقد ولى عهد "الإنسان السوفييتي" وبدأ عهد إنسان روسي جديد طامح للانفتاح والتغيير، ويريد قضاء مستقلاً وفعالاً، ولا مكان في ذهنه لخرافات وأساطير الدعاية السياسية السلطوية. ومن هنا فإن أمام بوتين اليوم الخيار، تقول لوموند، فبإمكانه أن يتجه إلى خطاب الإصلاح والمرونة، أو أن يستمر في تصليب مواقفه وسقف خطابته كما فعل بوضوح خلال حملته الانتخابية، حيث وصف معارضيه إما بأنهم فاسدون أو خونة يتقاضون أجر عمالتهم في الخفاء من قبل العواصم الغربية. ومع أن "الطبقة المبدعة" قد أدارت له ظهرها الآن، بشكل واضح، فإن المقدم السابق في "الكي جي بي" ما زال أيضاً يتمتع في الواقع بتأييد أغلبية الروس، حيث صوت له 63 في المئة من الناخبين بحسب النتائج الرسمية، و53 في المئة تقريباً حسب مراقبي رابطة الناخبين، وهي منظمة غير حكومية متخصصة في إحصاءات الخروق الانتخابية. ومن الطبيعي، تقول الصحيفة، أن يكون عدد ناخبي بوتين كبيراً لأسباب ثقافية روسية خاصة. وفي سياق متصل تحدث الكاتب فرانسوا سيرجان في افتتاحية لصحيفة ليبراسيون عن بعض ما توجهه المعارضة الروسية الآن من انتقادات لبوتين، ناقلاً عن بعض وجوهها مآخذهم السياسية على سيد قصر الكريملن الجديد- القديم. وقال أحد هؤلاء "إننا جميعاً مسؤولون عما يفعله بوتين"، الذي استفاد من سنوات مضت نظر إليه الناس فيها كبطل وطني، وقد عول في ترويج أسطورته السياسية على خليط من قوة المشاعر الدينية والقومية لدى الروس. وخلال سنوات حكمه الآن داعب حلم الثراء الطبقة الوسطى الروسية كلها تقريباً، ومن أجل ذلك كان كثيرون مستعدين لغض النظر عن مطالب الحرية السياسية. ولكن ذلك الحلم انكسر الآن، وانكسر تاليّاً العقد الضمني الذي بُني عليه. أوباما وزيارة نتنياهو صحيفة لوموند رصدت في افتتاحية لها بعض أبعاد زيارة نتنياهو إلى العاصمة الأميركية خلال هذا الأسبوع، مستهلة ذلك باستنطاق لغة الصورة مؤكدة أن كل من رأى صور أوباما مع ضيفه نتنياهو يسهل عليه استنتاج حجم الهوة الفاصلة بين الرجلين، وافتراق إرادتيهما ومزاجهما، وعدم تلاؤم الكيمياء الشخصية لكل منهما مع الآخر. وهنا ينبغي عدم الانخداع بتلك العبارة الروتينية الدارجة التي تقال في كل مرة، ومؤداها أنه "لا توجد أية نقاط خلاف بين أميركا وإسرائيل" وأن كل شيء في علاقات الطرفين على ما يرام. والحال أن هنالك أوجه خلاف كثيرة الآن بين الضيف والمضيف في مقدمتها افتراق مقاربتيهما بشكل عميق تجاه طريقة التعامل مع تحدي الملف النووي الإيراني. ويبدو أن زيارة نتنياهو لم تؤد إلى تقريب مسافة الافتراق بين مواقف الطرفين، وقد تكون لذلك نتائج بالغة السوء. فمنذ أسابيع يسعى المسؤولون الإسرائيليون، كلما أتيحت لهم فرصة تصريح، لتمرير رسالة مؤداها أنه لا بديل أمامهم سوى توجيه ضربة لمنشآت البرنامج النووي الإيراني، ويزعمون أنه لا شكوك تخامرهم بشأن سعي طهران لاكتساب أسلحة نووية، وأن هذا يشكل "تهديداً وجوديّاً" لكيانهم، مدللين على ذلك بأقوال صادرة عن بعض القادة الإيرانيين تدعو لـ"محو إسرائيل من على الخريطة". كما يقول الإسرائيليون أيضاً إنهم غير مقتنعين بأن جولة المفاوضات المقررة في شهر أبريل المقبل بين طهران والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا، يمكن أن تحقق اختراقاً لحل أزمة النووي الإيراني. ولكن إدارة أوباما لا تتفق مع نتنياهو وشركائه السياسيين في تل أبيب في هذه المقاربة السياسية، مع تأكيدها الرفض الكامل لامتلاك إيران القنبلة النووية، وتعبير أوباما نفسه عن الاستعداد لعمل كل ما يلزم للحيلولة دون ذلك. كما تعتقد واشنطن أيضاً أن أي هجوم إسرائيلي على إيران الآن سيكون كارثيّاً، ولن يتمكن من تأخير برنامجها النووي سوى بسنتين أو ثلاث سنوات، لا أكثر، وقد يتحول إلى دافع أكبر لها أيضاً للسعي من أجل اكتساب هذا السلاح. إعداد: حسن ولد المختار