كان د. صلاح الخالدي، أحد من تولى إعطاء "النصائح والتوجيهات" للجماعات والأحزاب الإسلامية، ضمن من نستعرض آراءهم. المشكلة الآن، يقول د. الخالدي: "هي في الإشكالات والخلافات بين الجماعات الإسلامية العاملة، وأحياناً يصل الخلاف ليدب بين أفراد الجماعة الواحدة. وهذه المشكلة تحتاج إلى تفكير، وحل جذري". ولا يتحمس د. الخالدي لفكرة توحيد التيارات والجماعات الإسلامية. ويرى أن "المشكلة ليست في تعدد الجماعات، وإنما في تنافرها واختلافها فيما بينها". فلا بد للدعاة من حل مشكلة النفور هذه، والاجتماع على كتاب الله وسُنة نبيه. ويقول مرة أخرى إن إحالة الجماعات الإسلامية إلى الكتاب والسُنة لا يحل خلافاتها بالضرورة. فثمة مذاهب وأولويات وطرق في فهم القرآن والسُنة منذ قرون طويلة، وهناك مدارس في فهم النصوص والتفاسير وفي الاختيار بين هذه المدارس، فالبعض يفضل ما يعتبره "منهجاً سلفياً"، وآخرون يختارون بين اجتهادات المذاهب الأربعة، وغيرهم لا يرى بأساً في الأخذ من المفاهيم الصوفية، بينما يخلط آخرون بين مفاهيم الإخوان المسلمين ومتشددي السلف. وإذا حصل الخلاف بين الجماعات، يقترح د. الخالدي، "فحبذا أن يكون هناك علماء محايدون غير منحازين إلى أحد الأطراف المتنازعة، وتكون لهم كلمة عند الآخرين". ولكن هل العلماء محايدون حقاً؟ ويحاول د. الخالدي زرع نوع من التعايش بين الجماعات المتصادمة فيقول: "حين يلتقي قادة العمل الإسلامي والجماعات الموجودة، لا بد من استحضار الحقوق الإسلامية للآخرين. فهذا العامل، أو هذه الداعية، أو هذا القائد في الدعوة، يجب أن يعتقد بأن الآخر، وإن خالفه في جماعته أو اجتهاده أو عمله، يبقي مسلماً عاملاً في الساحة، يحمل هم الإسلام وهم الدعوة إلى الله وإن خالف في بعض اجتهاداته". ويدعو د. الخالدي إلى وجوب التفريق بين الخلاف والاختلاف، فالخلاف الفكري والفقهي والدعوي أمر حتمي.. فإذا انتقل من خلاف فكري أو فقهي أو دعوي إلى القلب، فقاد إلى الاختلاف القلبي، وأحل في القلب البغضاء والكراهية، فهذا أمر حرمه الله". وعلى الدعاة، يقول د. الخالدي: "أن يتذكروا أن العدو أمامهم، وأن هذا العدو "لا يريد أشخاصهم ولا جمعياتهم، بل يريد إسلامهم.. أمامنا يهود يريدون أن يأكلوا الأمة بما فيها، أمامنا نصارى، أمامنا ملحدون.. وهؤلاء يكرهون دين الله". وهذا بالطبع بعض مبالغات د.الخالدي ومعظم الإسلاميين، حيث يجدون أعظم الحريات ومجالات التحرك والتنظيم ونشر أفكارهم في أوروبا وأميركا وكندا وأستراليا، ويصبون جام غضبهم وعدائهم على "اليهود والنصارى والملحدين"! ويرى د. الخالدي ضرورة ظهور "آثار علمية" على من يحمل لقب عالم الدين. فلا يكفي حفظ القرآن وفهم السُنة ودرس الفقه، بل "لا بد أن تظهر عليه العلامات، على سلوكه وآثاره، فإذا لم تنعكس لا يسمى عالماً وإن حفظ العلوم كلها.. ولا بد أن يتمتع العالم بصفات الشخصية الأساسية الإسلامية وأهمها أن يكون حليماً طيباً، واسع الصدر، فإذا كان هذا العالم عصبي المزاج، كيف يأخذ الناس عنه علمه؟! فلا بد أن يوسع صدره ليكون قائداًَ للأمة، ويجب أن يقبل العالم على الله سبحانه وتعالى إقبالاً خاصاً، وأن يكون أتقى أبناء جيله وأخشاهم لله في الذكر والعبادة والطاعة". ما يميز العالم الديني، يضيف د. الخالدي: "هو حمله لهمِّ الإسلام وهمِّ الدعوة، فليس المطلوب منه فقط جلوسه في مكتبته وقراءته للكتب، يعيش مع كتب السابقين ويتجلى على آفاقهم وحوله المجتمع غارق بالمنكرات والمفاسد، لا بد من أن يحمل هم الأمة والنزول إلى الناس والتواجد في المسجد مع الناس". على "العالم" أن يصادق الشعب "وأن لا يقرب الأنظمة والحكومات حتى لا يأخذ منهم، فالفتن على أبواب السلاطين لها مَبارِك كمبارك الإبل، فحياة العالم بقربه من الناس لا بقربه من الحكام". ولا يكفي هذا كله، فـ "من صفات العالم الأساسية أن يواجه أعداء الله.. فيكون هذا العالم حرباً على أعداء الله، وعلى اليهود، والنصارى، والملحدين، وعلى الكفار والمجرمين جميعاً". وقد نتوقف هنا لنتساءل: ماذا لو كان المسيحيون أو اليهود أو غيرهم، يشترطون في عالم الدين المسيحي أو اليهودي، أن يكون بهذه الدرجة من العداوة لاتباع الأديان الأخرى، وقد يكون الكثير منهم من أبناء وطنه وحملة جنسيتها؟ ماذا لو كان الفاتيكان مثلاً أو المدارس الدينية المسيحية وغيرها لا تسمح لأي من خريجيها أن يكون ضمن رجال الدين وعلماء الشريعة، إلا إذا كان شديد النفور من السلطة السياسية، شديد العداء لأتباع الأديان الأخرى؟ ثم نتحدث عن الاعتدال والتسامح والوسطية! لا يكتفي د. صلاح الخالدي بهذا كله، بل هناك "صفة أخرى للعالم أساسية، وهي أن يزهد في الدنيا". وينس د. الخالدي بعد هذا تشدده في معاداة الآخر كما بيّنا، ويناقض نفسه، فيطالب العلماء أن يعلموا طلابهم "فن الخلاف وتقدير المخالف، حتى يعرف ما له وما عليه"! ويطالب د. الخالدي الدعاة بالموضوعية والإنصاف في مواقفهم، فعلينا في مواضع الخلاف مع الآخر أن "نجمع إيجابياته ونجمع المآخذ عليه، عندها سيرى مع طلابه بأن إيجابياته كثيرة، بهذا يكون العالم أمام طلابه ميزاناً له كفتان، بمعنى أن يُعلم إخوانه إنصاف الآخرين، ونبذ التعصب العلمي، وعدم التعصب الفكري إلى شيخه وجماعاته... فلا يكون هدف طلاب العلم أن يجمعوا ثقافات الآخرين، وأن يقعوا في أعراض العلماء الآخرين سواء كانوا قدماء أو معاصرين، أمواتاً أم أحياء". ويطالب الدعاة من طلاب العلم بعدم التحامل، وبأن لا يكون الهدف "جمع السلبيات والمآخد، وإنما الإنصاف". ولكن إن كان د. الخالدي بهذه الدرجة من الحرص على الاعتدال والموضوعية والتسامح والبحث عن الأعذار مع المخالف، فلِمَ وقع في التعميمات العدائية التي أشرنا إليها منذ قليل، عندما تحدث عن "أعداء الله من النصارى واليهود والملحدين"؟ ولماذا لم يجد بأساً في زرع مثل هذه العداوة التي دفع المسلمون ثمناً باهظاً لها فيما بعد في أماكن كثيرة ولا يزالون؟ درس د. صلاح عبدالفتاح الخالدي في فلسطين، حيث ولد في مدينة جنين عام 1947 في المدرسة الإسلامية ثم تخرج من كلية الشريعة بالأزهر سنة 1970، ثم نال شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام 1984. ولا يجد القارئ شيئاً من خبرة "الخالدي" منعكسة في توجيهاته ونصائحه للدعاة، فهي قليلة وانفعالية ولا تتميز بأي عمق أو ثراء، بقدر ما تحاول أن تجامل الجماعات الإسلامية وتكسب ود بعضها. وكان الأفضل والأفيد أن يتعمق في تجارب الإسلاميين، وفي واقع هذا العصر، وأن يتأمل طرق إعداد قادة الدين المسيحي واليهودي واهتمام الجامعات الأوروبية والأميركية بعلوم مقارنة الأديان وتسامحهم مع الأساتذة المسلمين في أرقى الجامعات الأوروبية والأميركية لتدريس الفقه والشريعة والتاريخ الإسلامي والآداب العربية. وليت الخالدي يقترح على الأزهر الشريف أو جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض تعيين بعض أتباع الأديان الأخرى لتدريس الديانة المسيحية واليهودية والبوذية، والمناهح العلمية العصرية في مقارنة الأديان.