الثورات القائمة حالياً في بعض الدول العربية، هي ظاهرة تراكمية بدأت منذ ما يزيد على الخمسين عاماً، وتحول الجماهير الحالي في البلاد المعنية نحو التركيز على المحتوى الإسلامي للمجتمع، هو ليس في الواقع عودة مجردة إلى التقوى الدينية، لأن الإنسان العربي لم يبتعد يوماً عن إيمانه بالله عز وجل، بقدر ما هو بحث عن تفسير للتغيرات وحلول للمشاكل التي تلم بالمجتمع والإنسان العربي. العودة إلى المحتوى الديني للمجتمع عن طريق فوز "الإسلاميين" في الانتخابات التي أجريت، تعود إلى التنظيم الذي مارسته القيادات الحركية والأيديولوجيا الدينية المسيسة الناهضة والمتزايدة، معبراً عنها من قبِل الحركات السياسية والتغيرات في الأنظمة القانونية وفي شرعية الدولة، وفي نفوذ رجال الدين المتزايد. في الدول المعنية توجد ثلاثة محفزات رئيسية تسهم في التركيز على المحتوى الديني للمجتمع، هي وجود مشكلة شرعية تخص القيادة والنظم السياسية التي يترأسونها، والأوضاع الاقتصادية المتردية التي تسهم كثيراً في غضبة الجماهير الفقيرة والمعدمة والعاطلة عن العمل، وتحركها ضد النظم الحاكمة، ووجود مشكلة هوية ناتجة عن تغير النظم الاجتماعية السريع بسبب تأثيرات الحداثة القادمة عبر الحدود والعولمة الاقتصادية والاجتماعية، وما يصاحبها من هزات وقلاقل اجتماعية وثقافية واقتصادية تفضي إلى عدم الاستقرار السياسي. وبالتأكيد أنه على الصعيد السياسي، تشكل مسألة الشرعية مشكلة كبرى منذ أن استولت الجيوش على السلطة السياسية في بعض النظم وصادرت الحريات العامة، وأقامت نظماً سياسية بعيدة عن إرادة الشعوب وتطلعاتها نحو المستقبل، والأساس الذي كان القادة المعنيون يحكمون وفقاً له، والنظم الحكومية التي أقاموها كانت متحداة عبر السنين. ويوجد مظهران عامان يسهمان في البيئة الإشكالية العامة هما فشل عمليات المثقافة الوطنية التي اتبعتها النظم لتشغيل الاقتصادات والإجابة على مشاكلها واستيعاب حاجات المجتمع من خلالها، والهزائم العسكرية الساحقة للجيوش العربية في جميع المعارك التي خاضتها ضد إسرائيل. اقتصادياً لم تستطع النظم العربية الحاكمة في البلاد المعنية، تشغيل الاقتصاد في صالح المجتمعات ككل، بل ورغم غنى عدد من تلك البلاد النسبي خاصة ليبيا ومصر وتونس، إلا أن الاقتصادات سُيرت في صالح فئات اجتماعية محددة أو أنها اختزلت لكي تعمل في صالح الرئيس وأسرته وأعوانه والمحيطين به فقط. هذا الأمر ولّد فروقات اجتماعية هائلة ومعقدة، وأفرز قوى اجتماعية فئوية جديدة زادت من الصراع الاجتماعي على الموارد المتاحة، وهددت بانفجارات مجتمعية لم يكن بالإمكان السيطرة عليها سوى من خلال الأجهزة الأمنية، وما استخدمته من قمع شديد ضد كافة مظاهر التململ والتمرد، ما ولّد في نهاية المطاف ثورات عارمة لم تبق ولم تذر. وخلال العقود الخمسة الأخيرة، شهدت البلاد العربية تأثيرات مهمة على صعيد هوية الإنسان والمجتمع، بسبب عمليات التحديث المتسارعة، فالتنمية والتحديث أديا إلى خلق أوضاع تطلبت أفعالاً تحد من تأثيراتها على الإنسان والمجتمع، وبالتأكيد أن الدين هو ملاذ الإنسان العربي الأخير الذي يلجأ إليه في مثل تلك الحالات، فهو الذي يعمل كعنصر محوري للمحافظة على الهوية العربية - الإسلامية للإنسان والمجتمع. وهنا فإن ثلاثة جوانب من مشكلة الهوية، هي التي ثبت بأنها كانت تتعرض للتأثيرات، وهي التكوين الفردي للمواطن العربي، والمواقع الطبقية للأفراد في المجتمع، والتكوين الثقافي للفرد والمجتمع. لذلك فإن ردة الفعل التي تشهدها حالياً بالعودة إلى المحتوى الإسلامي للمجتمع هي نتاج لما كانت تتعرض له العوامل الثلاثة الأخيرة من تأثيرات.