رغم انشغال الحكومة ببعض من المشاكل والأزمات إلا أن ذلك لم يمنعها من الاحتفال هذا الأسبوع بالعيد الذهبي لتأسيس القوات المسلحة السودانية. ففي اليوم الرابع عشر من أغسطس عام 1954 انتقلت قيادة هذه القوات لضابط سوداني هو أول قائد عام للقوات المسلحة اللواء أحمد محمد. استمرت الاحتفالات لمدة شهر كامل توجت بطوابير عسكرية واستعراضات جوية يوم الأحد 15 أغسطس الحالي، كذلك تمت ترقية الرئيس السوداني الفريق أول عمر حسن البشير إلى درجة مشير.
إن تاريخ القوات المسلحة وتطورها مرتبطان بتاريخ السودان منذ إعادة فتحه عام 1898 بواسطة القوات البريطانية والمصرية المشتركة. بدأ الأمر بقوة صغيرة من عناصر سودانية كانت ملحقة بتلك القوات الفاتحة، ولم تفتتح مدرسة حربية لتخريج ضباط أكفاء إلا عام 1905. وظلت هذه الكلية الحربية تخرج ضباطاً حتى قامت ثورة 1924 المعارضة للحكم الأجنبي، وكان العنصر الأوضح والأهم في تلك الثورة السودانية المسلحة هم ضباط في الجيش من العاملين والمتقاعدين فقرر حاكم السودان العام يومذاك إغلاق الكلية الحربية عقاباً وإرهاباً، وبهذا توقف باب تأهيل المزيد من السودانيين. وبعد عامين أو نحو ذلك أعيد افتتاح الكلية وأنشئت قوة دفاع السودان.
وفي المرحلتين اللتين سبقتا إغلاق الكلية الحربية وبعدها كانت مناصب القيادة العسكرية العليا وقفاً على الضباط الأجانب (البريطانيين والمصريين قبل 1924 والبريطانيين وحدهم بعد 1924) أما الضباط السودانيون فكانوا يتولون المناصب الأدنى إلى أن تدرجوا حتى تولى واحد منهم قيادة القوات المسلحة عام 1954 قبيل إعلان استقلال السودان بنحو عام ونصف عام.
إن لرجال الجيش السوداني في مختلف مراحل تكوينه، مواقف وبسالات سجلت في حينها ولعل أبرزها كانت مشاركة الضباط والجنود السودانيين في الحرب العالمية الثانية جنباً إلى جنب مع قوات الحلفاء وتحت قيادتهم. ومن أبرز المعارك التي شاركوا فيها معركة شمالي أفريقيا (ليبيا) ومعركة تحرير إريتيريا وأثيوبيا من الإيطاليين .
وإذا كان السودان قد احتفل هذا الأسبوع بالذكرى الخمسين لتولى أبنائه قيادة قواتهم المسلحة فإن الحديث عن المستقبل هو الذي يشغل البال ويثير كثيراً من القلق وسط العسكريين المخضرمين والسياسيين وغيرهم. إن اتفاقية السلام التي وقعت أخيراً تتحدث عن تكوين جيش أو قوات مسلحة قومية ، تكون عقيدتها العسكرية قائمة على الدفاع عن الوطن وحماية الدستور والحفاظ على النظام الديمقراطي، وهذا يعني ألا يكون الولاء لحزب أو جماعة أو دين معين. ولتحقيق هذه المعادلة الدقيقة والمهمة ينبغي أن يعاد النظر في كثير من الإجراءات والنظم التي اتبعت في قيادة وتكوين القوات المسلحة الحالية. منذ أن جاءت جماعة (الإنقاذ) للسلطة كان من أوضح سياساتها وأكثرها خطراً إبعاد آلاف من الضباط وصف الضباط بدعوى الصالح العام واستبدالهم بمن يعتقد أنهم من أهل الولاء... ثم إن الحرب الأهلية في الجنوب كانت تستعر على أسس دينية جهادية.
إن كل هذا لابد من إعادة النظر فيه إذا أريد لاتفاقية السلام أن تبقى وإذا كان الهدف هو الحرص على بناء قوات مسلحة تناسب سوداناً ديمقراطياً تعددياً لا تتغوَّل فيه جماعة على أخرى بسبب الدين أو العرق أو الانتماء المناطقي.