كان الوقت ليلاً في مقاطعة "هلمند" في أحد أيام الصيف الماضي. وكان زميلاي الأفغانيان "جواد" و"رضا" يرتجلان لي أغنية ويصفقان بيديهما مع إيقاع الكلمات. ولكنهما كانا لا يكادان يتمكنان من تأليف بيت إلا ويغرقان في الضحك فقد كانت الأبيات كالتالي: "أيها الرائد! سوف نبيعك لطالبان مقابل مليون دولار"... أو "أيها الرائد! سوف نبادلك مقابل شاحنة وبيت جديد...". كنت أبذل جهداً كبيراً كي أضحك… فهما زميلاي، يمزحان معي، ويريدان مداعبتي، ولابد أن أجاريهما في ذلك. ولكنني أطرقت هنيهة وساءلت نفسي: هل يمكنني الوثوق بهذين الرجلين؟... هل سيحاولان بيعي حقاً؟ وما الذي كنت أفعله هنا وحدي بصحبة أفغان؟ وهل هو إجراء سليم من الناحية الأمنية أن يتم إلحاقي، والآلاف من الخبراء الأميركيين غيري، بوحدات عسكرية أفغانية تنتشر في مختلف أنحاء البلاد؟ بعد حادث حرق نسخ المصحف الأخيرة وما تلاها من أحداث عنف، لم أكن الوحيد الذي ساوره القلق بشأن المهمة الاستشارية العسكرية في أفغانستان. فحادث حرق نسخ المصحف الذي تورط فيه خمسة جنود أميركيون، وما تلاه من أعمال شغب وقتل لأميركيين، يكشف في جوهره عن أزمة ثقة بين الأفغان والأميركيين، وهو ما يدعوني للقول إن الحاجة لا تستدعي فقط التركيز على مواجهة مقاتلي "طالبان" وإنما تقتضي العمل أيضاً على إزالة أسباب استياء وسخط القوات الأفغانية من قوات التحالف، والعمل في الوقت ذاته، على هزيمة فكرة أن هذه القوات موجودة في أفغانستان من أجل القضاء على الإسلام. ونظراً لكوني ضابطاً بالجيش الأميركي برتبة رائد فإنني لست مخولاً بالخوض في المسائل السياسية؛ ولكن وجودي في هذا البلد خلال العام الماضي، أتاح لي زاوية رؤية فريدة للمشكلات التي تعترض طريق بناء الثقة، وذلك من خلال عملي ضمن فريق صغير من ضباط القوات الخاصة وخبراء الحوكمة، والضباط الأميركيين الذين يجيدون لغة البشتون، ملحق بقوات أخرى من التحالف والوحدات الأفغانية في معسكرات توجد في أنحاء متفرقة من البلاد. وفي نطاق مهمتنا كنا نقوم بتدريب، وتقديم النصح، والاستماع لشكاوى الأفغان من المشكلات التي يواجهونها. وفي أحيان كثيرة كنا نقوم بإطالة لحانا، وارتداء الأزياء الأفغانية، والطواف بالأماكن المختلفة بسيارات دفع رباعي عادية مستغلين إجادتنا للغة المحلية كي نتلمس بشكل مباشر أحاسيس ومشاعر وآراء ووجهات نظر الأفغان التي يتبادلونها فيما بينهم، عندما يعتقدون ألا أحد من الغربيين موجود حولهم. ومن ضمن الأشياء التي اكتشفناها تلك القوة التي تحظى بها رواية أو مقولة ترددها "طالبان" من دون توقف وهي أن التحالف قد جاء إلى أفعانستان من أجل احتلالها والقضاء على الإسلام. وهذه المقولة تعتبر الدعامة الرئيسية لاستراتيجية "طالبان" التي تستخدمها في تجنيد المقاتلين، وكسب التعاطف، وتحريض الجنود الأفغان على الفرار من قوات الجيش أو الشرطة، وفي بذر الكراهية ضد كل ما هو أجنبي. وقد اكتشفنا كذلك أن كثيرين من الرجال الذين عملنا معهم كانوا لا يعرفون شيئاً عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبالتالي عن السبب الذي جاء بالأميركيين وغيرهم من جنود التحالف الغربي إلى بلادهم. وقد استنتجنا من ذلك أن أي عمل يقوم به التحالف -بصرف النظر عما إذا كان متعمداً أو عرضيّاً- يغذي الإدراك السائد لدى القطاع الأكبر من الأفغان بأنه عمل يتم في إطار الحرب التي يقودها الغرب ضد الإسلام، وهو إدراك، يعرض مهمة التحالف في أفغانستان للخطر، ويدمر الثقة بين الأفغان وبين الغربيين بشكل عام والأميركيين بشكل خاص. وهذا النوع من سوء الفهم الثقافي نتيجة للعوامل التي ذكرتها، لا يؤدي عادة لصدام مباشر بين الأفغان والأميركيين، ولكنه يؤدي، وإن على نحو تدريجي، لتآكل الثقة والاحترام المتبادل ويؤثر سلباً على قدرة وحدات التحالف على التأثير على شركائها الأفغان. ومع ذلك فإن التجربة المباشرة جعلتني أدرك أن هناك رغبة صادقة في إنجاح المهمة الاستشارية للتحالف متوافرة لدى الرتب المختلفة من الجنود والضباط الغربيين الموجودين في أفغانستان. ففي جميع الوحدات التي قمت بزيارتها تقريباً، وجدت مستشارين يبذلون جهداً خارقاً في العمل مع زملائهم الأفغان من أجل تجاوز العقبات، والتصدي للتحديات التي تواجههم من أجل بناء الثقة في هذه العملية. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لمهمة المستشارين الغربيين في أفغانستان، من وجهة نظري، لا يتمثل في العثور على ضباط أميركيين موهوبين وشجعان، وإنما في التغلب على العقبات المؤسسية والبيروقراطية التي تواجه نجاح مهمتهم. وهذا التحدي لن يكون ممكناً التغلب عليه إلا إذا كان القادة العسكريون الأميركيون راغبين بالفعل في التخلي عن الأفكار التقليدية، وتبني فكرة فرق المستشارين الأصغر حجماً، والمدربة جيداً الملحقة بالوحدات الأفغانية. وعلى رغم أن فقدان جنود أو ضباط أميركيين في القواعد الآمنة على أيدي أفغان كنا نعتقد أنهم حلفاء أكثر صعوبة في تقبله من خسارة جنود وضباط في الدوريات، إلا أننا يجب أن نقبل أن ذلك يمثل حقيقة من حقائق الصراع في هذا البلد. ولكن الشيء الذي خرجت به أنا من خلال تجربتي في أفغانستان هو أن الأفغان لا يكرهوننا، على الرغم من أننا نحاول جاهدين في بعض الأحيان أن نجعلهم يفعلون ذلك. فرناندو إم. لوجان رائد بالقوات الخاصة بالجيش الأميركي وزميل زائر بمركز "نيو أميركان سيكيوريتي" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس"