على عكس الطرق السائدة في معظم ما يؤلف من كتب عن ظاهرة الإرهاب، يعمد الكاتب الفرنسي ميكاييل برازان في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان: "تاريخ من الإرهاب" إلى مقاربة هذه الظاهرة العالمية من زاوية نظر مختلفة، حيث بنى عمله على شكل مقابلات وحوارات مع إرهابيين، ومتهمين بالإرهاب، ومحققين ورجال من جهات إنفاذ القانون، ليخرج من كل ذلك بعمل استقصائي عميق، يتجاوز تجريد الدراسات الأكاديمية في هذا المجال، ويتخلص أيضاً من بعض الصور النمطية، والصور النمطية المضادة، المتفشية في معظم التحقيقات الإعلامية الرائجة حول الإرهاب خلال السنوات الأخيرة. كما تمكن الكاتب أيضاً من توسيع مجال اهتمامه وعينته لتشمل نماذج من مجموعات إرهاب وعنف في المجتمعات الغربية نفسها، متجاوزاً بذلك الصورة النمطية الغربية التقليدية التي تربط الإرهاب بمناطق معينة من العالم، يأتي في مقدمتها العالم العربي والإسلامي. وقد ساعدت "برازان" على إنجاز هذا العمل خبرته الواسعة في مجال الصحافة الاستقصائية، حيث سبق له إصدار كتب ذائعة الصيت في هذا المجال منها "المتعصبون: تاريخ الجيش الأحمر الياباني"، و"بيير غولدمان.. شقيق الظل"، وغير ذلك من كتب حققت في حين إصدارها رواجاً واسعاً في فرنسا. كما أنتج العديد من البرامج الوثائقية والاستقصائية للتلفزيون، بل إن كتابه هذا بدأ عرض محتواه أيضاً في شكل ثلاثة برامج وثائقية على قناة فرنسا 3 ابتداءً من يوم الاثنين الماضي، 5 مارس الجاري. وبعد أسفار مضنية أخذت المؤلف من أميركا إلى مصر، ومن فرنسا إلى الأراضي الفلسطينية والأردن وإسرائيل، وبعد 33 مقابلة مع مصادر منتقاة بعناية، جاء كتاب "برازان" في 524 صفحة، ليروي أسباب وخلفيات وتحديات الإرهاب، كما يراه المتورطون فيه، إضافة طبعاً إلى رؤية المختصين والمعنيين بملفات الإرهاب، في العديد من الحكومات وجهات إنفاذ القانون. ولأن الكتاب محاولة تأريخ لهذه الظاهرة على امتداد ستين عاماً، أي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لذلك قرر المؤلف تنويع أفراد عينته بشكل كبير، كما حرص أيضاً على عدم توضيح طبيعة الكتاب واتجاهه العام، أثناء عملية تجميع المادة، حيث كان كثير من المتهمين بالإرهاب، والمسؤولين الحكوميين، الذين تحدثوا إليه بانفتاح، لا يعرفون بالضبط غرضه من جمع هذه المادة الحساسة، ولا الكيفية التي ستخرج بها للجمهور في شكلها النهائي. وقد بين الكاتب سبب اختياره لأن يكون العنوان هو: "تاريخ من الإرهاب" وليس "تاريخ الإرهاب" بإطلاق، مبرزاً أن الدافع إلى ذلك هو حصر عينة ووحدة اهتمامه، حتى لا يأخذ عليه بعض المنتقدين مثلاً أنه لم يبدأ بالجماعات العدمية الروسية في القرن التاسع عشر، التي تعتبر أحد جذور وبدايات جماعات الإرهاب المعاصرة. كما لم يولِ "برازان" في عمله أيضاً أهمية كبيرة لما يسمى "إرهاب الدولة" زاعماً أن سبب ذلك يعود إلى عمومية وضبابية هذا المفهوم. ومع أن "برازان" حرص على أن يخصص من عمله جزءاً للحديث عن بعض جماعات العنف الغربية مثل جماعة "النمور السوداء" الأميركية، و"الألوية الحمراء" الإيطالية، بل وجماعات المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، إلا أن الجهد الرئيسي للكتاب، وصلبه ومادته الأساسية يبقى مرتبطاً أساساً بالعالم العربي- الإسلامي. وهنا بالذات خلط الكاتب بشكل فج، أو لم يميز بشكل كافٍ أحياناً، بين بعض جماعات المقاومة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وبين منظمات إرهابية حالية لا خلاف على إرهابيتها مثل تنظيم "القاعدة". وإن كان يدعو في مقاربته لطريقة التعامل المناسبة مع هذه الأخيرة برؤية إلى ضرورة تجاوز قصور النظرة المحافظة الجديدة في التعامل معها، التي تقوم على اعتقاد بأن "الحرب على الإرهاب" هي الطريقة الوحيدة الممكنة للقضاء على هذا الوباء. ولعل هذه الرؤية الناقدة لمفهوم "الحرب على الإرهاب" وعدم جدواها هي ما يعبر عنه العنوان الفرعي للكتاب "تحقيق حول حرب بلا نهاية"، الذي يكاد يكون هو العنوان الحقيقي من وجهة النظر هذه. يذكر أن المؤلف إذا يعرض "المبررات" التي يسوغ بها الإرهابيون أعمالهم، وردود الطرف الآخر الشرعي على ذلك، إنما يتولى هو رسم الخيط الناظم لهذا السجال غير المباشر من خلال توجيهه بطبيعة الأسئلة، وتنظيم دخول وخروج الأصوات في فصول الكتاب، وبحسب ترتيب مقابلاته، وقد اقتضى منه هذا المنهج أن يُصنف ظاهرة الإرهاب وجماعات العنف السياسي عموماً خلال الستين عاماً الماضية في ثلاث مراحل: مرحلة التحرر من القوى الاستعمارية (من 1945 إلى 1969)، وما يسميه مرحلة الهشيم (من 1969 إلى 1989)، وصولاً إلى ما يسميه أيضاً سنوات "الجهاد" (من 1989 إلى 2012). وزيادة على هذا التحقيب وبيان خصائص كل فترة، يغوص الكاتب أيضاً في بيان البنيات والتكوينات الداخلية للمجموعات الإرهابية، والطرق الوظيفية والإجرائية التي تعتمدها، كما لا يغفل أيضاً تسجيل وتتبع حالات التنافس الشديد بين بعضها. حسن ولد المختار الكتاب: تاريخ من الإرهاب المؤلف: ميكاييل برازان الناشر: فلاماريون تاريخ النشر: 2012