وفقاً لبعض التقديرات المتداولة فإن ما يزيد عن 7500 سوري قد لقوا مصرعهم خلال شهور الانتفاضة السورية ضد حكم الأسد، لقي معظمهم حتفه على أيدي النظام الحالي. وعلى الرغم من هذه الخسائر البشرية الفادحة، وسقوط مدينة حمص المحاصرة، فإن تحدي المعارضة ما زال مستمراً، كما أن الانتفاضة لا تبدو عليها أي علامة تدل على أنها في طريقها للانتهاء. وكانت السعودية وقطر هما الدولتان الأكثر صرامة في موقفيهما من النظام السوري، حيث دعتا علناً على لسان كبار مسؤوليهما لإرسال الأسلحة إلى المعارضة السورية إذا ما توافرت لديها القدرة على تنظيم نفسها في كيان متماسك ومنضبط. أما الولايات المتحدة وأوروبا فكانتا أقل رغبة في مسألة إمدادات السلاح، لكنهما رغم ذلك تزعمتا الجهود الرامية لتعزيز المقاطعة السياسية والدبلوماسية للأسد وحاشيته. ومن المتوقع أن يستمر النظام السوري قابضاً على زمام السيطرة، طالما ظل يتمتع بتأييد الأقليات، وخصوصاً الأقليتين العلوية والمسيحية اللتين تخشيان التعرض لتطهير عرقي إذا ما سقط النظام الحالي. وقد لوحظ أن النظام السوري كان يعرض -متشفياً- على شاشات التلفزة، أي صورة يتمكن من الحصول عليها لمتمرد بلحية، كما لو كان يريد أن يثبت أن الانتفاضة ضده تتم بقيادة الإسلاميين. وينبغي أن يشار هنا إلى أن المتمردين قد أضروا بسمعتهم كثيراً ولم يستفيدوا شيئاً عندما كتبوا على الواجهات والجدران عبارات مسيئة للأقليات السورية! إلى ذلك يحصل الأسد على دعم حيوي من روسيا والصين في المحافل الدولية، وخصوصاً مجلس الأمن الدولي، وهو ما يدعو للقول بأن احتمالات التدخل الدولي تكاد تنعدم، إذا ما استمرت هاتان القوتان العظميان تقفان في طريق ذلك. وربما تكون إيران أحد أهم أصدقاء أو حلفاء الأسد، حيث تقدم لحكومته المحاصرة السلاح، والتدريب، والاستخبارات، والنفط، علاوة على أنها معنية بشكل مباشر بالصراع ونتيجته. فسقوط الأسد سيكون بمثابة كارثة للملالي ووكيلهم في لبنان "حزب الله". أما وكيلهم الآخر، حركة "حماس" في فلسطين، فقد تخلى عن الأسد، وأخلى مكاتبه في دمشق بالفعل، وهو ما مثل مؤشراً مزعجاً على مدى العزلة التي أصبح النظام السوري يعانيها، وهي عزلة سوف تستمر في التفاقم خصوصاً بعد أن تكشفت –وما زالت تتكشف- فظائع النظام وانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، وباتت مرئية للكافة. ومن الأمور العاجلة التي تستدعى الاهتمام، بمصير اللاجئين السوريين الذين يفرون الى لبنان، وتركيا، والأردن. وهذا الاهتمام لا يتعلق فقط بتلبية احتياجات هؤلاء اللاجئين الإنسانية الملحة، وإنما أيضاً بالتعامل مع حقيقة أن وجودهم ذاته -إذا ما امتد لفترة طويلة- سوف تترتب عنه تداعيات سياسية على الأوضاع الداخلية للدول التي تستضيفهم، وعلى وجه الخصوص لبنان والأردن. فالأردن على سبيل المثال استقبل آلاف اللاجئين السوريين الذين كانوا يحملون أوراقاً ثبوتية، وهو ما كان يوفر وسيلة ما للحكومة الأردنية للتحكم في أعدادهم، وتحديد وضعهم في البلاد، ونوعية مهنهم. والذي يقلق الأردن حقاً هم الفلسطينيون الذين يزيد عددهم عن 300 ألف، يعيشون في معسكرات للاجئين قريبة من الحدود مع الأردن، والذين قد يجدون أنفسهم مضطرين للنزوح نحو أماكن أخرى إذا ما استمر منسوب العنف والفوضى على تصاعده في المناطق السورية القريبة منهم. وفي لبنان، انفجر العنف بالفعل في مدينة طرابلس بين أبناء الطائفتين السنية والعلوية اللتين تقطنان المدينة . ويمكن توقع المزيد من النزاعات الطائفية، في طرابلس وفي مناطق أخرى من لبنان إذا ما استمر تدفق اللاجئين في التزايد. وهذا الوضع يجعل "حزب الله" في موقف محرج للغاية، لإنه وإن كان يعتمد اعتماداً كلياً على إيران وسوريا في حصوله على الدعم، إلا أنه يسعى لتعزيز نفوذه السياسي في لبنان. والمشكلة في هذا السياق هي أنه لا الأردن ولا لبنان قادر على التأثير بشكل مباشر على الوضع في سوريا. والدولة التي يمكن التعويل عليها في هذا الأمر هي تركيا التي أنفقت سنوات من الاستثمار الدبلوماسي في نظام الأسد قبل أن تنحاز للحراك الشعبي السوري المطالب بالديمقراطية. وفي بداية الأزمة وعد الأسد الأتراك بإجراء إصلاحات على نظامه، وبوضع نهاية لحملة القمع التي يمارسها ضد المحتجين، لكنه لم يلتزم بوعوده واستمر في التصرف بنفس الطريقة التي كان يتصرف بها من قبل. وبالطبع لم تبتلع أنقرة أن تكون عرضة للكذب عليها من قبل الأسد، لذا فهي تقوم رداً على تلك "الخيانة"، ولأسباب أخرى، باستقبال المتمردين السوريين في الوقت الراهن. ومن خلال تقديم المزيد من المساندة من جانب الأمم المتحدة والحصول على دعم واضح من قبل دول كثيرة، يمكن دفع تركيا دفعاً إلى تبني سياسة تدخلية في سوريا بدلاً من الاكتفاء فحسب بتوفير ملاذ آمن للاجئين السوريين الذين يفرون إليها هرباً من ويلات القتال. وموقف تركيا الصارم ضد النظام السوري، أدى لموضعة علاقاتها مع إيران في وضع جديد خصوصاً بعد أن أوضحت بجلاء أنها سوف تلعب دوراً أكثر أهمية في السياسات الإقليمية، قد يتضمن استخدام "القوة الصلبة" بالإضافة لـ"القوة الناعمة" التي دأبت على استخدامها طيلة العقود الماضية. ومن غير المتوقع حدوث اختراق في الحرب الأهلية السورية، إلا إذا ما اقتنعت الأقليات السورية، والطبقة التجارية الغنية في البلاد، بأن وضعها سوف يكون أفضل حالاً تحت نظام يهيمن عليه السنة. لذا، يجب على المعارضة السورية، والداعمين الدوليين في نفس الوقت، إقناع تلك الأقليات بقدرتهم على إسقاط نظام الأسد دونما حاجة لحمام دم جديد.