رغم انجذاب المعلق السياسي إلى تعميم اللحظة الراهنة واستخلاص الدروس والنتائج الكبرى، والتعامل مع التوجهات المؤقتة على أنها مؤشرات مؤكدة وحاسمة، يبقى للتاريخ مفاعيله الخاصة ومناوراته المنفلتة عن التعميم. وللتأكد من ذلك ما علينا سوى المقارنة بين المصاعب التي كان يواجهها أوباما قبل ثمانية أشهر في أوج الأزمة المالية والصراع الذي خاضه في الكونجرس مع الجمهوريين لتمرير خطة الإنقاذ الاقتصادي، مع ما صاحب ذلك من تدن كبير في نسبة شعبيته، وبين استرداده اليوم لجزء من تلك الشعبية في ظل احتدام الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري. إلا أنه وبنفس المنطق الذي انقلبت فيه أحوال أوباما من سيء إلى أحسن، فمن الصعب الجزم بمصير الجمهوريين الذين يواجهون مصاعبهم الخاصة قبل الموعد النهائي للانتخابات التي تفصلنا عنها ثمانية أشهر. فحسب الوضع الراهن للحملة الانتخابية، لا تبدو الأمور سهلة بالنسبة لمتصدر السباق الجمهوري، ميت رومني، بالنظر إلى ما يتعرض له من هجوم على أيدي خصومه، لاسيما من بعض الجمهوريين الذين جندوا إمكاناتهم المالية للتشهير به في الإعلام ودعم خصومه الأكثر تشدداً. بل إن رومني نفسه، بنمط حياته وثروته الطائلة، كان لقمة سائغة أمام الانتقادات، ويبدو أن ترشحه كشف العديد من سلبياته دافعاً بها إلى السطح بسبب التركيز الإعلامي لخصومه، كما كشف ترشحه وظهوره في الأماكن العامة قدرته المحدودة على التواصل مع مختلف شرائح المجتمع الأميركي. وزاد من تعقيد الوضع بعض المواقف التي اتخذها رومني، مثل معارضته في وقت سابق خطة إنقاذ شركات السيارات من الإفلاس، الأمر الذي أدخل علاقته مع أصحاب الياقات الزرقاء في نفق مسدود. لكن مما يصب في مصلحة رومني أنه لن يتنافس مع بيل كلينتون في حال فوزه بالانتخابات التمهيدية، بل سيواجه أوباما الذي يعاني هو الآخر من مشاكل القرب الإنساني والتواصل مع الطبقات العمالية، ولعل هذا ما يفسر هزيمة الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في 2010، حيث كسب الجمهوريون شريحة العمال البيض بفارق ثلاثين نقطة، وأكثر من ذلك فإن البرامج الأساسية التي وقعها أوباما بإسمه خلال الفترة السابقة، مثل الرعاية الصحية وخطة الإنقاذ الاقتصادي، لا يمكنه التعويل عليها أو إبرازها في الحملة الانتخابية لعدم شعبيتها بين الأميركيين. ومع أن البعض في وسائل الإعلام ما زال متشبثاً بصورة أوباما القديمة في عام 2008، فإنها اليوم مجرد ظل باهت، لاسيما بعد فشله في تحقيق وعوده بشأن تغيير واشنطن وتوحيد البلاد وتجاوز الاستقطاب... لذا يواجه الرجلان معاً، رومني وأوباما، مشاكل متشابهة، فهما مرشحان جديان على قدر من الكفاءة والمسؤولية، وقادران على استمالة جزء كبير من الناخبين لحزبيهما، لاسيما المعتدلين من الجمهوريين والديمقراطيين، ورغم الدور الكبير الذي قد يلعبه أقصى اليمين لدى الجمهوريين، أو الليبراليون لدى الديمقراطيين في التأثير على النتيجة النهائية، إلا أنه وبالعودة إلى صعوبة الحسم التي أشرت لها آنفاً، يبقى من المستحيل التكهن بما ستؤول إليه الانتخابات الأميركية، فقد يكون خطاباً مدوياً لأحد المرشحين، أو حادثاً مزلزلاً مثل الدخول في حرب غير متوقعة، أو ارتفاع صاروخي لأسعار الجازولين، أو غيرها من الأمور التي تقلب التوقعات رأساً على عقب وتلغي جميع الافتراضات. لذا من الأفضل التريث ومراقبة الحملة الانتخابية دون التسرع بإطلاق التوقعات والأحكام النهائية. مايكل جيرسون كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"