منذ اندلاع الأحداث في بعض بلدان العالم العربي ولغة الخطاب تتصاعد بين إسرائيل وإيران، بل إن حدة ذلك تشير في بعض الأحيان إلى أن الحرب واقعة والعالم في لحظة غفلة من أمره. فلا أميركا ستعلم بذلك الأمر الداهم وفقاً للتسريبات الإسرائيلية والتصريحات غير المباشرة ولا إسرائيل تنتظر الضوء الأخضر لارتكاب ذلك الأمر الجلل، وكأن إيران غدت العنصر الأهم لدمار العالم أو استمراره، مع أن القضية كلها لا تحتمل هذا الشحن المبالغ فيه بين الطرفين. خلال أكثر من ثلاثة عقود وقعت أحداث جسيمة تبدل خلالها وجه العالم مرات، على سبيل المثال سقوط سور برلين وتشتت الاتحاد السوفييتي وثلاث حروب في الخليج العربي وسقوط أنظمة عربية عتيدة، رغم كل ذلك إسرائيل باقية وصامدة وتتوسع يومياً على حساب فلسطين المستقبل، ولم تطلق إسرائيل ولا إيران على بعضهما رصاصة واحدة، ولو من باب اختبار ردة الفعل الأولية، حتى حان الوقت الذي يطلب من الجميع وضع يده على قلبه لحين وقوع الكارثة الإسرائيلية الإيرانية، وكيف يمكن أن يحدث وإلى هذه الساعة لم تتضرر المصلحة الإسرائيلية بالصوت العالي للسياسة الإيرانية وكذلك لم تتأثر المصلحة الإيرانية في تمديد نفوذها والتدخل في شؤون الآخرين. فما مبرر هذا التصعيد، إلا إذا كان الغرض هو الإضرار بمصالح منطقة الخليج التي ستتأثر مباشرة بأي حرب أخرى لا تحتملها الأوضاع السياسية ولا الاقتصادية في العالم كافة. إن دخان الحرب الذي ينفث من إسرائيل إلى إيران في المنطقة خانق اقتصاديّاً وسياسيّاً ويحجب الرؤية ويزيد من غموضها في قابل الأيام، وفي الوقت نفسه لا يمكن تسمية ما يحدث في هذا المسار المجهول بالحرب الباردة على غرار ما حصل لعقود بين أميركا والاتحاد السوفييتي حتى انفرط عقد السوفييت دون أن ينطلق أي هجوم لا نووي ولا مائي تجاه الدولتين العظميين في تلك الفترة. والحالة الإسرائيلية الإيرانية لا تقاس على الشأن السوفييتي الأميركي لأن مستجدات الحراك العالمي في السياسة والاقتصاد غيَّرت المعادلة التي تحكم الآن علاقات الدول. ومع ذلك كله، فإن خبراء السياسة العسكرية العقلاء في مختلف البلدان حتى في إسرائيل ذاتها، وأميركا على وجه الخصوص أيضاً، لا يذهبون بعيداً ولا قريباً إلى أي جدوى من اندلاع حرب في المنطقة حتى مع الإقرار بأن إسرائيل لم تقتصر يدها يوماً في الإطالة على الآخرين مهما كانت مسافة الجغرافيا عقبة كأداء ولو لوجستيّاً إلا أن أذاها وصل إلى تونس، فبحساب المسافات فهي أبعد من إيران أما بحساب السياسات المتعجرفة فقد ضربت العراق ودمشق واللاذقية ولبنان مرات ومرات وغزة والسودان، فبهذه السياسة فإن كل شيء محتمل إذا ما تم وضع الدبلوماسية والعقلانية جانباً وقوة الحديد والبارود في المقدمة وهي ما تروج له إسرائيل في تصعيدها تجاه إيران. فالأمر الأهم لا يتعلق بإسرائيل وإيران، لأن العالم بأكمله يتأثر بأي توتر في منطقة الشرق الأوسط والخليج على وجه التحديد، فلم تعد الجغرافيا هي المتحكمة بمصائر المصالح الدولية والإقليمية والقومية، فقد أزيلت الحواجز المادية التي كانت تكبل الحراك العام للدول والمجتمعات تباعاً. فمنطقة الخليج التي تصدر براميل النفط إلى العالم، من أجل البناء والتنمية والتقدم والتطور والتحديث والعمران البشري والمادي، لا نريد أن تتحول إلى مكان لاستيراد براميل البارود والرصاص فقط لأن إسرائيل لا تقتات إلا في أجواء التوتر والتصعيد، فمنطقة الخليج منذ الأزل كانت منارة العالم حتى في الأوقات التي فرضت عليها حالات عدم الاستقرار والحروب التي لم تنفع مشعلها ولا المتأثر بأوارها.