يتناول الكتاب الذي نعرضه اليوم لمؤلفيه "جيمس روبينسون" و"دارون أشيموجلو"، بعنوان "لماذا تفشل الأمم... أصل السلطة والازدهار والفقر؟"، موضوعاً جوهرياً يشغل بال المنظرين والأكاديميين والسياسيين، سواء في مدرجات الجامعات أو في ميادين الاحتجاج، والسؤال هو: لماذا هذه الفوارق الكبيرة في الدخل والمستويات المعيشية بين الدول الغنية، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وتلك الفقيرة، مثل كوريا الشمالية ودول أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا؟ ليصبح السؤال أكثر إلحاحاً مع ما يشهده العالم العربي من اضطرابات سياسية واجتماعية أطاحت ببعض الأنظمة وأعادت إلى الواجهة أسئلة الفقر والازدهار والفساد، لتثير السؤال مجدداً حول مدى ارتباط السياسي بالاقتصادي وتلازم المسارين. لذا يقر الكتاب ومنذ البداية بأن الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية كان أساسها تململ السكان من الفقر والتعبير عن وضع اجتماعي بالغ الاختلال. فمعدل دخل المواطن المصري يمثل 12 في المئة من معدل دخل المواطن الأميركي، كما أن أمد الحياة أقل بسنوات عن نظيره في الولايات المتحدة، أما نسبة السكان الذين يعيشون الفقر المدقع فتصل حسب الإحصاءات إلى 20 في المئة. هذه الفوارق، رغم فداحتها، تظل مع ذلك متواضعة مقارنة بالفارق بين دول غنية وأخرى أكثر فقراً، مثل كوريا الشمالية وسيراليون وزيمبابوي التي تغطي فيها نسبة الفقر نصف السكان تقريباً. لكن السؤال المتكرر هو: لماذا مصر أفقر من الولايات المتحدة؟ وما هي المعوقات التي تمنع المصريين من عيش حياة مزدهرة؟ قبل وضع يده على الداء يستعرض الكتاب جملة من الإجابات المختلفة بدءاً بآراء الشباب الذين خرجوا إلى ميدان التحرير وأطاحوا بالنظام، ومن هؤلاء نهى حمد، الشابة المصرية التي تعمل بإحدى وكالات الإعلان، والتي أرجعت سبب تظاهرها في الشارع إلى "الفساد والقمع والتعليم السيئ"، وهي مطالب تكررت كثيراً على لسان المحتجين قبل أن تتبلور في مطالب سياسية واضحة عبر عنها البرادعي في صفحته على تويتر قائلاً: "القمع + غياب العدالة الاجتماعية + عدم وجود قنوات للتغيير السلمي= قنبلة موقوتة". وباختصار يُجمع المصريون الذين خرجوا إلى الشارع أن أساس المشكلة يكمن في العامل السياسي، وأن كل المشاكل الاقتصادية التي يعانونها تنبع من الطريقة التي تمارس بها السلطة السياسية، ومن احتكارها على أيدي نخبة ضيقة، وهو ما يستدعي التغيير السياسي أولاً قبل كل شيء. لكن إلى جانب هذا الرأي هناك من يرى، من الأكاديميين ورجال السياسية، أن مشكلات مصر الاقتصادية إما ناتجة عن شح الموارد وجغرافية مصر القاحلة التي تعيق الإنتاج الزراعي والتطور الصناعي، أو عن غياب سياسات اقتصادية حكيمة وعدم وجود نخبة متنورة تدعم السلطة الحاكمة وتمدها بالمشورة. وفي نظرهم لا علاقة بين هذه المشاكل وبين التطور السياسي والازدهار الاقتصادي. وهي الفكرة التي يدحضها الكتاب، مؤيداً بذلك التصور السابق للثوار بأن مصر فقيرة لأن الطبقة الضيقة التي حكمتها نظمت المجتمع بطريقة تضمن استفادتها هي على حساب الجمهور العريض، بحيث تم احتكار السلطة وتركيزها في يد قلة قليلة استخدمتها لإنتاج الثروات الخاصة. وللتدليل على وجهة النظر التي تربط بين الحكم السياسي والازدهار الاقتصادي، يقارن الكتاب بين حال مصر والدول الفقيرة وبين الدول الغنية مثل بريطانيا، فيطرح المؤلفان فكرتهما الأساسية بأنه إذا كانت بريطانيا والولايات المتحدة غنيتين اليوم، فذلك لأن شعوبهما أطاحت منذ وقت مبكر بالنخب التي تحكمت في السلطة لتبني مجتمعات بديلة حيث السياسة أفضل توزيعاً والحكومات خاضعة لمساءلة الجمهور، وحيث الفئات الواسعة تستفيد أكثر من الفرص الاقتصادية. ومن أجل فهم أدق للفوارق بين الدول الغنية ونظيرتها الفقيرة، يرى المؤلفان أنه لابد من الغوص في الماضي لدارسة التفاعلات التاريخية التي شهدتها المجتمعات، ليتضح أن بريطانيا مثلاً أغنى من مصر لأن إنجلترا قامت في عام 1688 بثورتها التي أطاحت بالنخب الحاكمة وغيرت طريقة ممارسة السياسة التي بدورها غيرت الاقتصاد وفتحت المجال أمام الثورة الصناعية. أما مصر فتجاوزتها الثورة الصناعية ولم تصلها مكتسباتها إذ كانت خاضعة للسيطرة العثمانية التي لم يكن حكمها مختلفاً عن حكم عائلة مبارك. وبعد سقوط الحكم التركي دخلت مصر تحت الاستعمار البريطاني الذي كان آخر همه ضمان ازدهار المصريين. وحتى بعد انتهاء الاستعمار وقيام ثورة 1952 لم تتغير الأمور كثيراً لأنها أتت بنخبة حكمت مصر بنفس الطريقة القديمة ولم تعمل على تغيير بنية المجتمع لتظل مصر فقيرة، فالعبرة وفقاً للكتاب، ليس بتبادل الأدوار السياسية واستبدال نخبة حاكمة بأخرى تكرس البنية السياسية البائدة، بل بتغيير حقيقي لبنية المجتمع وأساليب الحكم وإطلاق قوى حقيقية توفر فرصاً متساوية تتيح للجميع الاستفادة وخلق الثروة. زهير الكساب الكتاب: لماذا تفشل الأمم: أصل السلطة والازدهار والفقر؟ المؤلفان: جيمس روبينسون ودارون أشيموجلو الناشر: كراون تاريخ النشر: 2012