سيدة المحبوبات العراقيات المجهولات الحاجّة أم سعد، عمرها 85 عاماً، تبدأ يومها بصلاة الفجر، ثم تمارين سويدية، وبعد الفطور تستظهر، وهي تهرول على الحزام الرياضي، سور القرآن الكريم الذي شرعت بحفظه وعمرها 82 عاماً، وفي المساء تسألني عن رقم هاتف الشاعر مظفر النواب. والأفضل أن لا تصدّقوا ما قلت لأنني أخاف عليها من عين الحسود. وأنا جادٌ في خوفي، يعرف ذلك النواب الذي فوجئ بباقة ورد منها، ومكالمة هاتفية بدأتها بأبيات من "أيام المْزَبّنْ" المكتوبة بالعامية العراقية، وهي أكثر قصائده الغزلية موسيقية ومَرَحاً، تبدأ بالتفاؤل الراقص لنقرات الدَفْ "دُكْ راسك ابكاع العِرِسْ، واصعدْ مراجف للدّفْ. أيام المْزَبّن كضنْ، تكضنْ يا أيام اللَّف". و"دُك" دُقْ و"كاع" قاع، و"كضنْ" انقضت و"المْزَبّنْ" سجائر شعبية قديمة مبسمها فارغ أعقبتها سجائر "اللَّف" بالأصابع. وكل ما يُقال عن تدهور صحة النواب وأنه على فراش الموت لا صحة له، وإلاّ كان لَفَظَ أنفاسه وهو ينصت لأم سعد تقرأ له من شعره الذي يقطع الأنفاس: "شوقي إلك، شوق القطا التايه، وموعات الدِهِنْ. هَمْ آنا أذوق مَيِّتَكْ، واركض بزَّخات المِزَنْ، دونك يحِّزْ بلوزتي الخنجر، وأكابر عِيبْ أوِّنْ. تانيني يا ديرة هلي وخَلِّي الرصاص على الكَفْ، أيام المْزَبَّن قضنْ، تِقضَنْ يا أيام اللف". ومَنْ كأم سعد يكابر على الأنين "عيب أوِّنْ" ويسأل ديرة الأهل أن تنتظر، والرصاص على الكف؟ كانت في الخامسة عشر عندما تطوّعت ممرضة في حرب العراق ضد بريطانيا عام 1941. وصادف يوم تسجيلها للتطوع قصف الطائرات البريطانية معسكر الرشيد، ولإعفائها من التطوع قال مدير المستشفى العسكري آنذاك الدكتور صبري مراد لرئيسة الممرضات أن لا تخيط لها صدرية. وفي اليوم التالي كانت الوحيدة من المتطوعات التي حضرت. وأم سعد من أعرق الأسر البغدادية، وزوجها من أعرق الأسر النجفية، وهذا هو الذي يحطّم قلوب المحبوبات العراقيات المجهولات. فتاة دورة النهر "ريفر بند" المشهورة عالمياً بمدونتها "بغداد تحترق"، استهلت يومياتها عام 2003 بالتنكيت على النخبة الطائفية الحاكمة، وذكرت أنها من أسرة بغدادية مختلطة "سنية شيعية"، وأن "العراقيين متسامحون، ونحن أيضاً تعبين جداً، قضيّنا حياتنا في صراع مع هذه الجهة أو تلك، والصراع بيننا ليس خياراً مغرياً". قالت عنها سوزان ساراندون، أشهر نجوم هوليود المناهضين للحرب "إنها تحكي بصوت درامي مشدود عن الجانب الشخصي من الحرب، وتنفذ بالنكتة إلى الأعماق، بشكل لا يفعله أيّ مصدر آخر أعرفه". وتحولت يوميات "بغداد تحترق" إلى مسرحية عُرضت في مهرجان أدنبرة العالمي عام 2006. وفي ربيع العام التالي نشرت "الجارديان" البريطانية آخر مقالة من "ريفر بند" بعثتها من سوريا واختفت بعدها. والآن أسأل هل تتحمل النخبة العراقية المثقفة، بمن فيها مظفر النواب، جزءاً من مسؤولية ما يجري في سوريا؟ لو كنا كسرنا صمت "التقية" وتحدثنا بجرأة فتاة بغدادية عن شناعة الطائفية ربما كنا جنّبنا العراق والمنطقة فتنة طائفية عراقية تلد فتنة طائفية سورية بالمعكوس. الأغلبية السنية في سوريا تتورط ورطة الأغلبية الشيعية في العراق، وهذا هو الذي يجعل المحبوبات العراقيات المناهضات للغزاة والطائفية يتعاطفن مع سوريا. "ليلى أنور"، واسمها الحقيقي مجهول، كتبت في مدونتها بالإنجليزية أنها لن تقدر على النوم قبل أن تقول شيئاً عن سوريا، شيئاً ليس سياسياً بل "عني وعن سوريا فقط"، وذكرت أنها لا تستطيع أن ترى سوريا الجميلة تتمزق."أنا أعرف السوريين بشكل جيد، إنهم ليسوا ناساً سهلين، بل أذكياء وماكرين ويعرفون ما يريدون". ويخطئ من يقلل من شأن السوريين، حسب ليلى التي تشرح أسباب تعلقها بهم. "أولاً وقبل كل شيء لأنهم عرب"، وتعترف "أجل هكذا أنا، يهمُّني العرب على الرغم من أنهم لم يهتمُّوا قط بالعراق. والعراقيون بعد كل شيء معروفون بالسخاء، والليلة أنا أذكر سوريا على الرغم مما بيننا من خلافات، وتعالي السوريين علينا سنين طوال، أقول كعراقية وبغض النظر عن السياسة، أنا هنا أقف معكم". وأنا هنا أقف مع ليلى أنور التي تجنبتُها منذ أطلقت مدونتها عام 2006 لذعري من شتائمها المقذعة التي لا تستثني أحداً من زعماء الطائفية، من العمائم واللحى وحتى الخواتم والمداسات. وأعترف أنني أتجنبها لأنها تُبكيني، فلا أحد مثلها أحبَّ عامة العراقيين وفهمهم، وأدرك أن "الأغلبية الصامتة لا تهمها طائفة الحاكم، سنياً أو شيعياً أو من سكان المريخ لكن يهمهم أن لا تحكمهم الأحزاب الشيعية". والمحبوبة العراقية عشتارُ عشتارٌ في أنتولوجيا المدونات العربية والعالمية. ولا أخاف عليها من الحسد، فهي موجودة دائماً في الفضاء السبرنتيكي. مدونتها عمل بحثي من طراز فريد يتضمن معلومات مخيفة عن منظمات دولية ألّفت أساطير "تجفيف الأهوار" و"المقابر الجماعية"، ودور الغزاة في تصفية المترجمين العراقيين (84 صفحة) ومجزرة "كنيسة سيدة النجاة" 113 صفحة، وتأسيس "الجامعة الأميركية في السليمانية" 78 صفحة. والمذهل في عشتار ليس حجم المعلومات المتعددة الوسائط التي تترجمها وتعدها وتحررها بل عاطفة شهرزاد المشبوبة، التي تدفعها غريزة البقاء إلى أن تروي ألف قصة وقصة. وصعقتني أخيراً قصة الصحفية الأميركية ماري كولفن التي قُتلت في حمص، وكانت عشتار تتابعها منذ جاءت مع دبابات الغزو إلى العراق حاملة أكذوبة المقابر الجماعية. "كذبت طوال حياتها وماتت وهي تكذب والله يغفر لها"! وإذا كان في مصر عشتار، ولا بد هناك، فالقصص المثيرة قادمة عن فضيحة إطلاق سراح أعضاء منظمات المجتمع المدني التي سببت أزمة بين القاهرة وواشنطن. الجهات الأميركية التي وردت أسماؤها في فضيحة القاهرة، مثل "المعهد الجمهوري" و"المعهد الديمقراطي"، تروي عشتار قصصها في العراق في 6 آلاف كلمة، موثقة بالأسماء المضحكة لعشرات المنظمات ومديريها، والمبالغ التي قبضوها، "أيادي الرحمة الإنسانية"، و"بنت الرافدين"، تلّقت 42 ألف دولار، و"الفرودس" 47 ألف دولار، و"ناس في محنة" 98 ألف دولار، و"دار السلام العراقي" 100 ألف دولار، و"جمعية فعل" 128 ألف دولار، و"منظمة المنبر المدني" وعملها توضيب استمارات وقوائم قبض المنظمات. يوم المرأة العالمي عيد المحبوبات العراقيات، وسيدّتهن أم سعد التي قرأتْ للنواب قصيدته "يا ريحان" وأبقته على قيد الحياة. "يا أول الريحان، يَلعّطِّيت مرّه بدربي. يا آخر سواجي حنيني وحبي". و"عطّيت" تعني ضوّعت، و"سواجي" سواقي. و"مِن يوم طيفك هِجَرْ نومي ما نِمِتْ. حنيّه يا جذاب منك ما شِفِتْ. من ظني أكظك بالحلم عنبر فِحِتْ، ومن ردت أجيسك جِسِت روحي وفَرْفَحِتْ"". و"الجذاب" كذاب، و"الحنية" حنان، و"أكظك" أمسكك. وأتوقف هنا فإن روحي تفرفح.