كثيرة هي أنواع نظم الحكم المعاصرة ومعايير تصنيفها. ولكن أكثر ما يدور حوله الحوار الآن في البلاد العربية التي شهدت رياح تغيير منذ نهاية عام 2010 هو التصنيف الذي يميز بين نظم رئاسية وبرلمانية ومختلطة. فتبدو هذه البلاد الآن في حال بحث عن نظام الحكم الذي يناسبها ويخرجها من الأزمات المتراكمة التي انفجرت في وقت واحد نتيجة رياح التغيير التي هبت عليها. وقد حدث ذلك من قبل عندما هبت رياح مماثلة على بلاد شرق ووسط أوروبا عامي 1989 و1990، ثم على بعض دول أميركا اللاتينية في السنوات التالية. وأظهرت تجارب التحول في معظم هذه البلاد ميلاً إلى نظام الحكم المختلط الذي نشأ لمعالجة أوجه قصور شابت النظامين البرلماني والرئاسي. فالنظام البرلماني يركز السلطة في يد رئيس الحكومة في حال تشكيلها من حزب واحد، أو يؤدي إلى عدم استقرار وزاري في حال الحكومات الائتلافية. كما أن النظام الرئاسي بدوره يركز السلطة التنفيذية في يد شخص (الرئيس) مهما كانت القيود المفروضة على ممارسته للسلطة. وقد ظهر النظام المختلط في الأصل نتيجة الضرورة التي أملاها فشل النظام البرلماني في ضمان استقرار الحكومات وبالتالي قدرتها على تحقيق أهداف شعوبها، وبفعل الرغبة في تطويره بدلاً من استبدال نظام رئاسي به. فلا يستقيم نظام برلماني في أي بلد بدون أحزاب قوية من ناحية وثقافة ديمقراطية واسعة الانتشار من ناحية ثانية. فالأحزاب القوية ضرورة لضمان أن يحصل أحدها على أغلبية تتيح له تشكيل الحكومة وعدم الاضطرار إلى إقامة ائتلاف من عدة أحزاب على نحو قد يجعلها غير مستقرة. فإذا دب الخلاف بين هذه الأحزاب المؤتلفة، تنهار الحكومة. وعندما يتكرر ذلك تقل إمكانات الاستقرار السياسي. أما الثقافة الديمقراطية واسعة الانتشار فهي ضرورية لكي تكون الأحزاب ديمقراطية في داخلها بحيث لا يستطيع رئيس الحزب الذي يشَّكل الحكومة أن يحكم منفرداً من خلال سيطرته على البرلمان الذي يملك هذا الحزب أغلبية فيه. ورغم أن النظام المختلط ليس مجرد حاصل جمع أهم سمات النظامين البرلماني والرئاسي، ولا هو بالتالي نتيجة معادلة خُلطت فيها هذه السمات فأنتجت منتجاً جديداً، يظل المدخل الأكثر يسراً لمعرفة مقومات هذا النظام هو إلقاء نظرة سريعة على مقومات كل من النظامين بشكل عام. ولعل الفرق الجوهري بين النظامين البرلماني والرئاسي هو في وضع كل من البرلمان ورئيس الجمهورية. ففي النظام الرئاسي، يكون رئيس الجمهورية هو صانع القرار بمساعدة حكومته التي يختارها هو، وتوضع السلطة التنفيذية كلها بالتالي بين يديه. ويقتصر دور البرلمان على مراقبة سياسات الرئيس وحكومته. أما في النظام البرلماني فيكون رئيس الحكومة هو مركز الثقل ومحور التفاعلات السياسية، بينما يكون منصب رئيس الجمهورية شرفياً في المقام الأول. ففي هذا النظام يسود رئيس الجمهورية ويظل معبراً عن سيادة الدولة (وليس مصدرها الذي هو الشعب)، ولكنه لا يحكم. ولا ينتهي دور البرلمان في هذا النظام عند وظيفتيه الرئيستين، التشريع والرقابة، بل يشمل تشكيل الحكومة التي تمارس السلطة التنفيذية واختيار رئيسها الذي يضع هذه السياسة بالتعاون مع الوزراء الذين يكونون أعضاء في البرلمان. لذلك تكون هذه الحكومة هي المسؤولة أمام البرلمان، وليس رئيس الدولة لأنه لا يتمتع بسلطة تنفيذية. فلا مسؤولية سياسية بلا سلطة فعلية. لكن هذا لا يعنى حظر ممارسة الرئيس أية سلطة فعلية تحت أي ظرف. فقد يجوز له ذلك إذا اضطر إلى التدخل لضرورة تتعلق بالمصلحة العامة كأن يحدث مثلاً خلل في أداء الحكومة إلى حد يثير استياء الرأي العام ولا يستطيع البرلمان تصحيح هذا الخلل. فإذا كان موعد الانتخابات البرلمانية قريباً، يحسن في ظل تقاليد هذا النظام انتظار تدخل الشعب عبر هيئته الناخبة لتصحيح الخلل. أما إذا كانت الانتخابات بعيدة، والبرلمان في بداية فصل تشريعي لا يزال ممتداً، قد يكون تدخل رئيس الدولة ضرورياً إذا تبين له أن الرأي العام لا يرغب في انتظار الانتخابات البرلمانية، وعندئذ يمكن أن يتدخل الرئيس فيقيل الحكومة ويحل البرلمان على مسؤوليته الخاصة. وهو لا يفعل ذلك إلا إذا تأكد من وجود رغبة شعبية تساند تدخله الذي قد يصبح وبالاً عليه إذا لم يتوافر له ظهير شعبي. وقد يدفع ثمن هذا التدخل غالياً إذا جاء تقديره خاطئاً، كما حدث للرئيس ماكماهون في فرنسا عام 1877 على سبيل المثال. والحال أن الرئيس لا يتجاوز دوره البروتوكولي في النظام البرلماني إلا على سبيل الاستثناء، لأن السلطة التنفيذية في هذا النظام لرئيس الحكومة الذي هو الرئيس الفعلي للدولة نتيجة سيطرته على الأغلبية في البرلمان. لكن الرئيس يستطيع أن يصنع لنفسه دوراً في النظام البرلماني إذا استطاع كسب ثقة مختلف الأطراف التي قد ترتضيه في هذه الحال حكماً بينها بشكل غير رسمي، الأمر الذي يتيح له التدخل عند الحاجة للمساعدة في حل مشاكل تواجه الحكومة. غير أنه إذا تكرر هذا التدخل، أو تجاوز الحدود التي تجعله استثناءً من القاعدة العامة، فهو يصبح مؤشراً على خلل أساسي في النظام السياسي نفسه. وقد يعنى ذلك أن النظام البرلماني ليس ملائماً أو لم يعد مناسباً على نحو يفرض إعادة النظر فيه إذا تكرست أعراض المرض الذي تسهل إصابته به وهو عدم الاستقرار الوزاري، وبالتالي الاضطراب السياسي الذي يضر مصالح البلاد ويؤثر في حياة العباد ومعاشهم. ولعل هذا المرض هو ما جعل الإقبال على النظام البرلماني محدوداً في الديمقراطيات الحديثة التي تعود بدايتها إلى الموجة قبل الأخيرة للتحول الديمقراطي التي حدثت في شرق ووسط أوروبا وأميركا اللاتينية منذ نهاية الثمانينيات. ففي أية ديمقراطية جديدة تكون الأحزاب في معظمها ضعيفة والبنية السياسية هشة والثقافة الديمقراطية محدودة الانتشار على نحو يتعارض مع الشرط الرئيس لنجاح النظام البرلماني، وهو وجود عدة أحزاب قوية وثقافة ديمقراطية راسخة. وفى ظل تجارب مؤلمة للنظام الرئاسي الذي يتحول في غياب تقاليد ديمقراطية إلى حكم فردي، يبدو النظام المختلط هو الحل الذي اتجهت إليه تونس مؤقتاً، ويرجح استمراره في الدستور الجديد الذي بدأ المجلس التأسيسي المنتخب في مناقشته. والأرجح أن يكون هذا النظام هو الخيار الذي تتجه مصر إليه أيضاً في دستورها الجديد الذي بدأ برلمانها السبت الماضي في إجراءات انتخاب الجمعية التأسيسية التي ستضع مشروعه. لكن الفرق المتوقع هو أن نظام مصر المختلط قد يكون أقرب إلى الرئاسي في حين أن نظيره المؤقت في تونس يقترب من النمط البرلماني.