تشير كافة الدلائل إلى أن الاتحاد الخليجي سوف يعلن عن قيامه في القمة التشاورية لقادة دول مجلس التعاون في مايو القادم، مما سيشكل نقلة نوعية مهمة في العمل الخليجي المشترك ونموذجاً للتعاون الإقليمي، وبالأخص للبلدان العربية. ومع أن العديد من المحللين تناولوا آفاق هذا الاتحاد، فإن إلقاء نظرة أكثر موضوعية ربما تتيح تقييم هذه الخطوة بالاستناد إلى تجربة التعاون والتي استمرت أكثر من ثلاثة عقود تخللتها مراحل من التفاؤل أحياناً وأخرى من الحذر والترقب، إلا أن محصلتها النهائية كانت إيجابية بشكل عام وها هي تقود نحو مرحلة أكثر تقدماً وتكاملاً بين دول المجلس. لذا، فإن الاتحاد المزمع إعلانه سوف لن يختلف كثيراً في بداية عمله عن مرحلة التعاون، لكن وجوده سوف يساهم في حلحلة العديد من قضايا التعاون المعلقة، فالتبادل التجاري وفق تصريحات الأمين العام لاتحاد غرف التجارة الخليجي لا يزال يعاني من معوقات وعراقيل عديد رغم وجود الاتحاد الجمركي، أما السوق الخليجية المشتركة، وبعد مرور خمس سنوات على إعلانها، فلم تستكمل حتى الآن، ناهيك عن الاتحاد النقدي. ومن الناحية المبدئية حققت دول التعاون الخليجي تجربة تنموية ناجحة وتعتبر نموذجاً لكثير من بلدان العالم، مما يعني ضرورة المحافظة على هذه التجربة وتطويرها عبر العمل الجماعي الذي تتطلبه المرحلة القادمة وما يصاحبها من تغيرات إقليمية وعالمية أوجدت تحديات خطيرة. لذلك من المهم الإشارة إلى أننا في دول المجلس لسنا بحاجة لاستيراد تجارب جاهزة من الخارج، فلدينا تجربتنا الخاصة، مع حرصنا على الاستفادة من التجارب العالمية الناجحة، كتجربة سنغافورة وكوريا الجنوبية وتجارب البلدان الصاعدة، كتركيا والبرازيل. وفي سبيل تطوير هذه التجربة، لابد من تجاوز مرحلة التعاون والانتقال لمرحلة الاتحاد مع الاستفادة القصوى من تجربة الاتحاد الأوروبي الغنية، وبالأخص كيفية التعامل مع تفاوت المواقف بين الأعضاء والتوافق بين السيادة الوطنية والاتفاقيات الاتحادية الملزمة، وهذه مسألة لم تستطع دول المجلس التعامل معها بنجاح كبير خلال الفترة الماضية. في الاتحاد الأوروبي، لا يقلل وجود وزير اتحادي للخارجية من دور وزراء الخارجية الأوروبيين وإنما أدى إلى زيادة التنسيق وتوحيد المواقف بينهما، وهو ما كان له دور فعال في تنفيذ السياسات الأوروبية في المحافل الدولية. وقد رأينا في الآونة الأخيرة تنسيقاً مشابهاً على المستوى الخليجي، والذي حقق بدوه مكاسب مهمة لدول المجلس، خاصة في التعامل مع أحداث المنطقة العربية، إذ يمكن اعتبار ذلك مقدمة مهمة لوجود تناوب بين دول المجلس على منصب وزير الخارجية الخليجي الذي يتحدث باسم دول المجلس، بحيث يقوم هؤلاء جميعاً بتنسيق السياسات وتطبيق القرارات المتخذة في ظل الاتحاد القادم. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى ناحية إيجابية تكمن في تشابه السياسات المالية في دول المجلس إلى حد التطابق بين الدول الست، وهذه مسألة مهمة يفتقدها الاتحاد الأوروبي. والحال أن أمام الاتحاد الخليجي مشواراً طويلاً ستتخلله بعض الصعوبات، لكن محصلته النهائية ستكون إيجابية ومفيدة للحفاظ على أمن دول المجلس، وسيحقق مكاسب كبيرة لشعوبه. لذلك، فإن العقلانية تدعو إلى التفاؤل في حدوده الموضوعية التي تراعي التفاوتات الموجودة، مع التقليل من الحذر السابق والذي كان سائداً في مرحلة التعاون، فالوقائع والمستجدات الإقليمية والعالمية سوف تدفع دول الاتحاد الخليجي نحو المزيد من التكامل في كافة المجالات، خصوصاً وأن هناك تناغماً غير مسبوق بين القوى الثلاث الفاعلة في الاتحاد الخليجي والمدعومة من بقية الأعضاء. د.محمد العسومي