قال تولستوي في رسالة لمدرس: "إنك تحتاج للحكم على عملك إلى تلاميذ أحرار، يصارحونك برأيهم فيما تُعلمّهُ لهم. وهل هم راضون عنه أو غير راضين. ولتعلم أن الأساس الأول لكل علم هو الحرية". استوقفتني هذه العبارة وأنا أشهدُ عودة الاعتبار إلى اللغة العربية في جامعة قطر! بعد أن تم "تحديث" المساقات لتكون بالإنجليزية فترة من الزمن! فبعد تجربة تضرّر منها العديد من المدرسين والكثير من الطلبة، تمت إعادة اللغة العربية في الجامعة، حيث استبشر الطلبة خيراً وتوافدوا على الجامعة بعد أن هجروها نتيجة التعجيز الذي فرضه إدخالُ اللغة الإنجليزية في المساقات. إن الإشكالية في تصميم مناهج التعليم في أغلب الدول العربية، أنها لا تأخذ حتميات البيئة في الاعتبار. كما أن أغلبها لا ينسجم مع متطلبات التنمية الوطنية. كما أنه هنالك نزعة "انبهار" بما تزيّنهُ دور الخبرة الأجنبية للمسؤولين عن التعليم، حيث تقوم هذه الدور التي تتقاضى أجوراً عالية، بتجميل بعض المقررات في بلدانها، ويقبلها المسؤولون عن التعليم على علاتها، رغم أن الطالب لم يتأسس منذ الدراسة الابتدائية تأسيساً جيداً لتلقي العلوم بالإنجليزية. ومع التقدير للأسماء الرنانة لتلك المؤسسات التي أثبتت عدم نجاحها في أكثر من بلد خليجي، فإن واقع المنطقة يختلف عن واقع الحال في أميركا وأوروبا، مهما آمنّا بقدرة عقل الإنسان على الاستيعاب. وهنالك حتمية أخرى تتعلق بالتاريخ والتراث. فمَن أقدر على توصيل هذه المساقات من اللغتين؟ أهي الإنجليزية أم العربية؟ ولماذا يتم تجاهل ذلك في ظل الاندفاع نحو اللغة الإنجليزية، وكأنها "المنقذ"؟ إن الجيل الذي قاد عملية التحديث في المنطقة كان تعليمهُ الثانوي حكومياً، وتعليمه الجامعي عربياً، ونجحت الدول في وضع مناهج التربية والتاريخ واللغة والدين، والرياضيات والعلوم... وغيرها من التخصصات التي تعين الطالب على أن يكون متعلماً لا أن يفك الخط فحسب، أو يتباهى بالنقر على الكمبيوتر! وظهر من ذاك الجيل مهندسون وأطباء وإعلاميون وسفراء وقضاة وأكاديميون وزراعيون ونفطيون... وكانوا ناجحين جميعاً، وتمت عملية التحديث بصورة واضحة دون اللغة الإنجليزية. لكن لما تخرّج الجيل الثاني من الجامعات الأميركية والأوروبية استمر العمل بالتحديث، مع أن بعض الأفكار التي جاء بها الجيل الثاني لاقت بعض المعارضة من قبل الفريق الأول، خصوصاً في ظل انفتاح الجيل الثاني وتشبُعه بالأفكار الجديدة، وكان أثر "التشدد الديني" واضحاً في هذا الصدام. لكن استمر العمل في الجامعات الخليجية مع التطور النسبي في المناهج لمواكبة متطلبات التنمية وظهر مصطلح "خدمة المجتمع"، وجاء الجيل الثالث من خريجي الجامعات الخليجية التي انتشرت منذ الثمانينيات، دون مخاضات مؤلمة أو عمليات قيصرية، فانخرط في العمل بكل سلاسة. ثم جاء "النبأ العظيم" عبر دور الخبرة الأجنبية بضرورة التحديث، وأولى خطواته هي التخلص من اللغة العربية في المناهج! ويبدو لي أن هذه الفكرة لا تختلف عن الإفراغ الثقافي على طريقة الأكلات السريعة، وصنوف المياه الغازية، و"باربي" و"الرجل الحديدي"... وغيرها من الماركات التي سوّقها الإعلام الغربي في المنطقة. كما أن حرية انتقاء المناهج تتلاشى في ظل هذا الانبهار بتجارب البلدان الغربية، بينما يؤخذ رأي الطلبة والمربين في تصميم المناهج في تلك البلدان، وهذا التوجه لا تأتي به دور الخبرة الأجنبية إلينا. لسنا هنا ضد تعليم اللغة الإنجليزية –ونحن من خريجي الجامعات الأميركية– لكننا ننظر إلى القضية من منظار أوسع، ونرى أن الطالب الذي لا يتقن تاريخ منطقته وتحولاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، ولا يجيد الحوار أو الكتابة بلغة القرآن التي يصلي بها، غير مؤهل لمواجهة الحياة، مهما كان الإغراء شديداً ومهما تغنّى بالألفاظ الإنجليزية. وللأسف فإن هذا "الانشداد" للغرب وحضارته كان انتقائياً في العالم العربي، فنحن وإن سمحنا لكل الماركات العالمية الاستهلاكية بدخول حياتنا عبر الإعلان والوكالات والتجارة -وبعضها مُضر بالصحة– فإننا لم نسمح بتداول القيم الغربية الأخرى التي تمجّد قيمة الإنسان وتؤكد حقوقه. هذا "الاجتزاء" من الحضارة الغربية أيضاً لم تلتفت إليه دور الخبرة الأجنبية والتي بمشورتها أصبحت أقسام التسجيل والقبول في بعض الجامعات الخليجية خالية من المواطنين والمواطنات! إن الانبهار بالغرب له أكثر من نموذج. لقد تشوّهت العديد من المدن العربية بالغريب من البنايات والألوان، في مخالفة واضحة للوجدان والذوق المحلي، وأصبحنا نشعر بالحرج عندما نسمع أن دولاً مثل بريطانيا وفرنسا تحظران "العبث" بالعمارة المعمول بها منذ قرون، لأنها شاهد من شواهد الحضارة وجزء من الهوية والوجدان المحلي، العربي والإسلامي.