رفض رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بعناد كل النصائح والنداءات التي وجهت إليه سواء من المخلصين من داخل السلطة الفلسطينية أو من العقلاء من خارجها، يضع ألف علامة تعجب حول حقيقته فعرفات يفتح بذلك الأبواب لتفشي واستشراء الفساد المالي والإداري الذي انتشر في جسد السلطة حتى لم يبق فيها بقعة نظيفة. وها هو اليوم يتوج سلسلة مراوغاته برفض التوقيع على مراسيم الإصلاح ومحاربة الفساد، في موقف غير مفهوم يغلفه الكثير من العناد والتلاعب بمصير الشعب الفلسطيني وبمقدراته، ولا يدل على أي تعقل أو استعداد منه للإصلاح.
وبهذا الموقف الذي يعتبر أكبر ضربة وإهانة لشعب رزح تحت نيران الاحتلال لعقود طويلة من الزمن، يكون عرفات قد كشف عن نوايا عكس ما اعترف واقر به في خطابه أمس الأول ليدخل ومعه الشعب الفلسطيني في نفق مظلم. ورفض الرئيس توقيع مراسيم الإصلاح كأنه بهذا الموقف الذي لا يخلو من المراوغة يريد أن يقنن هذا الفساد الممنهج في قاموسه، ويشرعه حتى نما كالخلايا السرطانية وضرب كل الجسد الفلسطيني. ليس هذا فحسب، بل تعمد رفض أي فكرة للإصلاح ومحاربة الضمائر الخربة، بل أوجد لهم ألف تبرير وتبرير، ليثبت بذلك ادارة الفساد في السلطة التي من المفترض أن تكون وطنية، ولكن عرفات أرادها سلطة فاسدة غير وطنية من الرأس حتى أخمص القدمين ضاربا عرض الحائط كل الأصوات العاقلة التي ارتفعت من بين أبناء الشعب الفلسطيني مطالبة بمحاسبة أولئك الذين يسرقون من قوته اليومي ويدعون أنهم يناضلون من أجله، معتقدين أنهم بالاختباء تحت عباءة الفساد قادرون على الضحك على الجميع حتى النهاية.
الفلسطينيون الذين أطلقوا على أفعال عرفات والسلطة لفظا جديدا هو "الحرمنة"، وهي كلمة مشتقة من "الحرامي"، يعتبرون أن الفساد هو الكارثة الجديدة التي يواجهونها، بل هي أكبر كارثة، وربما يتساوى في منطقهم بين كارثة الفساد وكارثة الاحتلال الإسرائيلي. فعرفات الذي أقر بوجود فساد سرطاني في سلطته، يضع ألف علامة استفهام حوله وحول إدارته وسلطته حين يرفض بعناد صارخ مسيرة الإصلاح المالي والإداري ويدافع عن المفسدين في السلطة.
كفى تلاعبا بمصير الشعب الفلسطيني، وكفى سرقة واستغلالا وانحرافا ومحسوبيات ورشاوى وشللية، و"حرمنة".. وإذا كان عرفات عاجزا عن إيقاف عجلة الفساد والانحرافات عن الدوران في فلك سلطته، فعليه أن يكون صادقا مع نفسه ومع شعبه ولو لمرة واحدة ويواجه الحقيقة.