رغم أهمية الاقتصاد والأمن، فإن مواجهة تدهورهما قد تكون سهلة نسبياً، أما عدم نزاهة القرار وشرخ الشرعية، فقد يصيبان مصداقية الحكم في مقتل. وهناك قصة ذات مغزى كبير ترتبط بما يحدث في مصر الآن، تأتينا هذه القصة من بريطانيا-المعروفة حينئذ ببريطانيا العظمى- وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد قاست المدن البريطانية كافة من هجمات طيران ألمانيا النازية، وكان صمود بريطانيا أمام ألمانيا بعد أن اجتاحت معظم أوروبا واحتلت فرنسا، هو السبب في النهاية بهزيمة ألمانيا. وفي أول اجتماع لمجلس الوزراء البريطاني بعد هذا الانتصار، كانت فاتورة الحرب عسيرة من الناحيتين البشرية والاقتصادية، لكن تشرشل -الزعيم البريطاني المخضرم- أنهى كشف الحساب هذا بتفاؤل كبير حول مستقبل بريطانيا، وكان أساس تفائله قطاعين اعتبرهما أساس التقدم البريطاني في الماضي كما في المستقبل: جودة التعليم واستقلال القضاء. فجودة التعليم وأهميته معروفتان لدى الجميع، لكن المعروف أقل هو أهمية استقلال القضاء، خاصة ارتباطه بما يحدث في مصر حالياً. فالقضاء هو المقابل وعلى الطرف النقيض للسياسة، فهذه الأخيرة تعتمد على التحالفات المتغيرة بين الأطراف المختلفة، سواء كانت أحزاباً سياسية أو أشخاصاً، كما تعتمد أيضاً على الحلول الوسط ذات المرونة المتناهية والتي قد ترمي بعرض الحائط المبادئ التي يعتبرها الكثير من السياسيين صامدة، وقد تعوق الصفقات السياسية. أما القضاء فهو على العكس من ذلك، لأن نصوصه ومبادئه معلنة، وهدفه الأساسي هو وضوح عملياته، أي الشفافية لضمان أكبر قدر ممكن من النزاهة. لذلك يلجأ المواطن في كل الدول إلى القانون للاحتماء من السلطة بتقلباتها وجبروتها. وحتى إذا كانت السلطة طاغية في أي مجتمع، فإن وجود القضاء النزيه يشكل رادعاً لها، وبالتالي يضيف إلى شرعية نظام الحكم نفسه، أي قبوله طواعية والالتزام به بدلاً من التمرد عليه ثم الثورة ضده. ولذلك فإن ما يحدث في مصر حالياً فيما يتعلق بتطورات قضية التمويل الأجنبي ثم السماح فجأة بالسفر لـ19 متهماً أجنبياً -معظمهم من الأميركيين- له تأثير كبير علي المرحلة الانتقالية، وعلى نظام الحكم الذي يهدف المصريون لتأسيسه بعد ثورة يناير، وعلى العموم فيما يتعلق بتخطيط المستقبل. وكما قال أحد الحقوقيين فإن إسقاط القضاء يعني هدم الدولة. وللتذكرة فقط، فقد بدأت الأزمة منذ حوالي شهر عندما داهمت أجهزة الأمن المصرية بعض مكاتب منظمات المجتمع المدني، وخاصة منظمتين تابعتين لكل من "الحزب الجمهوري" و"الحزب الديمقراطي" الأميركيين، ثم أسهبت الصحف المصرية كل يوم تقريباً في تناول ما قيل إنه مخططات عثر عليها خلال تلك المداهمات، وهي مخططات تحاك ضد الدولة المصرية وليس فقط نظام الحكم، مع بيانات حول تجنيد عملاء تم تدريبهم في صربيا وغيرها من مراكز أجنبية ذات أهداف وتمويل مشبوه. بل كان هناك تأكيد رسمي بأن من بين الوثائق التي تم الحصول عليها خرائط ومشاريع لتقسيم مصر. كل هذا من أجانب ومنظمات أجنبية لا تحمل أصلاً أي رخصة أو تصريح للعمل في مصر، ودخل معظم العاملين فيها إلى التراب المصري بتأشيرة سياحية. وفي مواجهة ضغوط واشنطن وتهديدها بحجب المعونة السنوية عن مصر، تم شحن جماهير الشعب المصري، ليس فقط لحماية وطنهم، ولكن أيضاً للدفاع عن كرامته. حتى أن الكثيرين بدأوا يفكرون في مشاريع حملات لجمع الأموال بهدف الاستغناء عن هذه المعونة التي أصبحت رمزاً للذل والخضوع في كثير من الأوساط المصرية. وفجأة في هذا الجو المشحون، يتم وصول طائرة عسكرية أميركية لتقل المتهمين الذين كانوا قد اعتصموا داخل سفارة بلدهم، ويبدو أن عملية السفر هذه قد تمت تحت إشراف الملحق العسكري الأميركي. بل والأكثر استفزازاً هو أن قرار الإفراج جاء من خارج المحكمة، أي عن طريق رئيس محكمة الاستئناف المستشار المعز إبراهيم الذي هو في نفس الوقت المنوط به الإشراف على انتخابات المرحلة الانتقالية في مجلسي الشعب والشورى ثم الانتخابات الرئاسية، لذلك فهو رجل قريب من السلطة السياسية العليا في البلاد. وقد قام أعضاء المحكمة بالتنحي احتجاجاً على هذا التدخل "من أعلى"، ثم بدأت تتعالى احتجاجات كثيرة من جانب القضاة، ومن نقابة المحامين، وبعض منظمات الشباب... وغير ذلك من هيئات المجتمع المدني، كما صدرت طلبات إحاطة وحتى تحقيق من جانب العديد من نواب مجلس الشعب. في الماضي كانت هناك بعض الانتقادات التي يتم توجيهها للمجلس العسكري من وقت لآخر، على استحياء وبطريق غير مباشر، أما الآن فهناك شرخ في شرعيته وحتى شك في قدرته على إدارة المرحلة الانتقالية، في وقت ليس فيه بديل جاهز لمواجهة تحديات هذه المرحلة الحرجة. وهكذا تُصبح هذه المرحلة الانتقالية أكثر صعوبة وخطراً مما توقعنا.