يبدو أن أسواق المال الإماراتية في الوقت الراهن في وضعية أفضل مما كانت عليه خلال الفترة السابقة، فبعد أن عاشت الأسواق حالة من الهدوء شبه التام فقد تمكّنت من تحقيق قفزات إيجابية منذ بداية عام 2012، وهو ما ساعدها على تحقيق مكاسب كبيرة خلال الفترة المنقضية من هذا العام إذا ما قورنت بالأداء الذي حققته خلال الفترة نفسها من العام السابق. وفي خضم هذه القفزات، استطاعت الأسواق أن تحقّق مكاسب تقدّر بنحو 20 في المئة خلال شهر فبراير الماضي، لتسجّل واحداً من أعلى المكاسب الشهرية في تاريخها. ويعبّر هذا الأداء الإيجابي عن تحسّن الحالة المعنوية للمستثمرين والمتعاملين في الأسواق، مقارنة بما كان سائداً خلال الفترات الماضية، خاصة أن هذا الأداء الإيجابي يأتي متزامناً مع سيادة حالة من التشاؤم بشأن الأوضاع المالية في منطقة اليورو على وجه التحديد وفي الاقتصاد العالمي على وجه العموم. وهذا التزامن يعني أن قوة الدفع التي استفادت وما زالت تستفيد منها الأسواق الإماراتية هي قوة ذات طابع محلي بعيداً عن قوى الدفع الخارجية، وهو ما قد يؤشر إلى أن الأسواق قد تكون اكتسبت قدرة ذاتية على الحركة. كما أن الأداء الذي استطاعت الأسواق المالية الإماراتية أن تدركه منذ بداية العام الجاري قد يكون دلالة على أنها بدأت في ردم الهوّة الكبيرة التي كانت قائمة بين أدائها المتراجع نسبياً من ناحية وأداء الاقتصاد الوطني الإماراتي الذي اتّسم بالإيجابية والاستقرار من ناحية أخرى. فرغم أن الاقتصاد الوطني قد تمكّن خلال الأعوام الماضية، خصوصاً في عامي 2010 و2011 من محاصرة معظم تحديات "الأزمة المالية العالمية" ومن التحرك إلى الأمام على طريق التعافي، الأمر الذي مكّنه من تحقيق معدلات نمو إيجابية على مدار العامين ومن استرداد عافيته على صعيد توليد فرص الاستثمار الحقيقي واجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر وضخّ المزيد من الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية الحيوية وتحقيق معدلات مطّردة لنمو التجارة الخارجية وحركة السائحين الوافدين بخلاف تحسّن مؤشرات أداء الشركات والمؤسسات الاقتصادية الحكومية منها والخاصة، فإنه على النقيض من ذلك ظلّت أسواق المال بعيدة عن هذا التعافي، وبقيت أحجام التداول وقيمه وحركة المستثمرين دخولاً وخروجاً منها محدودة للغاية، وهو ما أدى إلى تدني حجم المكاسب، بل وتعرّض الأسواق لخسائر جديدة في بعض الفترات، الأمر الذي أسهم بدوره في بلوغ قيم الأصول والأوراق المالية المتداولة مستويات متدنية للغاية. وتشير هذه المعطيات إلى أن أسواق المال الإماراتية تبدو بحالة صحية جيدة في الوقت الحالي، وأنها أصبحت جاذبة للمستثمرين أكثر من أي وقت مضى منذ بداية "الأزمة المالية العالمية"، وأن المستثمرين والمتعاملين فيها أيضاً باختلاف تصنيفاتهم، من أفراد ومؤسسات وصناديق استثمار محلية وأجنبية، باتوا أكثر ثقة بأداء الأسواق مقارنة بأدائها منذ بداية "الأزمة المالية العالمية" من ناحية ومقارنة بالأسواق المنافسة لها من ناحية أخرى، بل إن هذا الأداء بدوره يعدّ مؤشراً مهماً إلى أن هؤلاء المستثمرين أصبحوا أكثر تفاؤلاً في ما يتعلق بمستقبل أداء الأسواق على وجه الخصوص وبمستقبل الظروف الاقتصادية في الدولة بوجه عام، وهو ما سيكون له تأثير إيجابي في أداء الأسواق، وهو ما يرجّح أنها ستتمكّن من مواصلة أدائها الإيجابي خلال الفترة المقبلة. ــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية.